درجة الحرارة في عمان 27 درجة مئوية 27° C
القائمة الرئيسية

الفايز يكتب: الاحتقان لدى منظومة النظام

الفايز يكتب: الاحتقان لدى منظومة النظام
فايز الفايز
من تابع الوضع الأمني في محيط دوار الداخلية وجوار وزارة الداخلية مساء السبت وعلى الرغم من "السلمية الرسمية"، يدرك كم هو الوضع محتقن أكثر من اللازم لدى "منظومة النظام"، وهذه المنظومة تلحفت بالغطاء الأمني كحلٍ أخير للمواجهة مع الحراكات التي تستمد جذوتها من ناشطين وشباب يحركهم عنفوان الشباب البريء، ويهمز بظهورهم مهماز الفقر والحاجة والبطالة، وغياب العدالة في توزيع فتات الثروة الرسمية، ولا تزال أعينهم تطارد شلة النهب والنصب والتكبر على الشعب والقضاء والوطن برمته وهم يطوفون العالم دون أي أدنى مبالاة.

في المقابل يدفع سواد الشعب الأردني وبخاصة أرباب الأسر والشباب الطامح لرفع مستواه المعيشي والفكري، هؤلاء يدفعون فاتورة "البطر والبذخ" التي سرقتها عصابة اختطفت الدولة في حقبة كان الأولى أن تركز جهودها وتنميتها نحو المحافظات والأطراف لتدارك تبعات الأزمة الاقتصادية على كواهل الفقراء الذين يزدادون فقرا، لذلك فإن هؤلاء لا يحتاجون الى من "يحرسهم" بل لمن يسمعهم ويستوعبهم ويشعرهم بالأمان لا بالحماية، والأمان أساسه اجتثاث كل "وسخ الماضي" من على طريق الشعب الأردني ومعاقبة كل الجناة الذين تآمروا علينا وسرقوا مقدرات وطننا.

للأسف فإن "المحرك" الذي قاد الحراك السياسي خلال عام مضى أصبح ضعيفاً لأن رهانه كان قطع مرحلة قصيرة بأكبر مكسب، وها هي الجماهير تتضاءل نسبتها في المظاهرات والحراكات، ما دفع البعض الى الاتجاه للتصعيد في طرح الشعارات التي لن تغير شيئاً على أرض الواقع، فضلا عن أن الناشطين الأوائل في المحافظات اكتشفوا أنهم كانوا يزرعون في أرض غيرهم عندما "تشاركوا" مع ساحة النخيل، وفهموا أن اللعبة المزدوجة بين الحكومات والحركات السياسية هناك كانت على حسابهم من جهة، ومن جهة أخرى هنالك "أشخاص" ليس لهم أي وزن أو مصداقية، استغلوا التجمهر الشبابي الكبير ليركبوا على ظهورهم، ويتحدثوا باسمهم ويصرحوا نيابة عنهم، ثم يدعون أنهم "يفاوضون" أجهزة الحكومة لإنهاء الاعتصامات أو المسيرات بشكل سلمي.

اليوم الدولة بحكومتها وأجهزتها أصبحت عاجزة عن اجتراح حلول منطقية تهدف الى تغيير فعلي على أرض الواقع، في ظل تسارع خطير لتردي الوضع الإقتصادي، والصراع بين "أركان الدولة" هو صراع لإثبات من الأقوى لا من الأكفأ، وهي أشبه ما تكون بـ "وازن الضفادع"، كلما وضع ضفدعا في كفة الميزان ليزنَهم قفز من الكفة ضفدعان، والضفادع في لغة السياسة الأردنية اليوم هي المشاكل والاضطرابات الشعبية والأزمات الوظيفية التي كنا نتوقعها ونكتب عنها منذ سنوات و"مخاتير الحكومات" نائمون ويحلمون بإرث تاريخي يسجله التاريخ لهم كأقوى رئيس وأبرز وزير ولم يفهموا أنهم صنّاع أزمات لأن عقلياتهم لم تكن تفكيرية بل تنفيذية ضمن مبدأ الدفاع عن رؤية الحكومات منذ تشكيلها حتى ترحيلها، ولا أحد يعترف بخطأ مرتكب حتى اليوم، ولا أي مسؤول يتعض مما جرى مع أسلافه، وكأنهم "عميان " يهرولون خلف بعضهم نحو قاع واد.

لقد ثبت وبما لا يقبل الدحض، أن المرحلة السياسية والاقتصادية السابقة كان عنوانها "مرحلة الفشل والإفشال" وقد حاز من خططوا لها على أفضل جائزة لأسوأ عمل قد لا يقوم به حتى الأعداء، وكل ما نراه اليوم باختصار هو نتائج لتلك المرحلة التفكيكية التي لا يزال نفر من الصابئة الوطنية يدافعون عنها ويبررونها على أنها متطلبات إصلاحية لتخفيف إلتزام الدولة بالعمق الشعبي، وكاننا دولة بريطانيا العظمى أو الولايات المتحدة، ونسي هؤلاء أن السرّ في الأردن، أنه "ساحة تلبيس طواقي" منذ تنفست الدولة في عشرينيات القرن الماضي.

لذلك يجب "وقف الإشتباك السلمي" فورا بين مختلف الأطراف وإيقاف تهم التخوين، وإطلاق سراح أي شاب ناشط سياسيا، والعمل على عقد لقاء موسع يشترك فيه مع الحكومة كافة القوى الوطنية وكل من له القدرة على اجتراح الحلول، وأن تتنازل الحكومة عن مقعدها الطائر فوق السحاب، ليتعاون وزراء حكومة "عون الخصاونة" للمساعدة في إيجاد صيغة تخرجهم من ورطة الرحيل دون أي إنجاز، ففي وقت الرخاء لا تطلب من أحد التدخل، ولكن في وقت الشدة عليها أن تبحث عمن ينجدك حتى لو كان ألد أعداءك، فهذا وطن وهذه مؤسسة الدولة يجب على الجميع أن يتخلى عن غرورهم ونرجسيتهم التي طفقت كل الآفاق.

في مثل هذه الأيام من العام 2009 ختمت مقالة لي آنذاك بالفقرة التالية "إذا لم يعد أغبياء الحكومة الأردنية عن غيهم ويتراجعوا عن تكبرّهم وقوانينهم وضرائبهم ومخالفاتهم وسرقة حقوق الناس في المحافظات والأولوية والقرى والبوادي.. لن يجدوا رجلاً واحداً يدافع عن بلده يوما ما.. لا بل لن تجد الدولة "كلبا" ضالاً ينبح معها يوم يعز العويل!

اليوم، وبعد ثلاث سنوات، اعتقد ان هذا ما يحصل، ولن نجد أحدا يتبرع ولو بحلّ، سينتقم الجميع من منظومة الدولة باعلان الحرب على الحكومات، لان سنين من الضغط النفسي وإرهاق الجباية، وعواصف فساد مالي وتبديد ثروات الوطن وصروحه، أوصلنا الى بداية النهاية، فهل ننهي النهاية لمصلحة بدايةٍ لمرحلة جديدة محترمة؟!