درجة الحرارة في عمان 11 درجة مئوية 11° C
القائمة الرئيسية
البيروقراطية والضرائب عقبات أمام الاستثمار .. الرئيس بالصورة؟!

الحلم العربي!

الحلم العربي!
محمد أبو رمان

ما يزال إقليم كردستان العراقي مصرّاً على إجراء استفتاء الانفصال عن العراق، بعد أيام قليلة، بالرغم من المعارضة الإقليمية الصلبة، من إيران وتركيا، وتهديد رئيس الوزراء العراقي بالتدخل المسلّح، ومن تسريبات بتحذيرات أميركية بضرورة إيجاد مخرج أو خيار آخر.


ليست الصورة واضحة تماماً بعد، لما سيكون عليه قرار الأكراد واليوم التالي للاستفتاء في حال تمّ إجراؤه. لكن ما هو واضح تماماً أنّ الأكراد يشعرون بأنّ حلمهم التاريخي بإقامة وطن لهم، أصبح أكثر قرباً من أيّ وقتٍ مضى، ليس فقط في العراق بل في سورية، إذ في الحدّ الأدنى سيحصلون على "حكم ذاتي" شبيه بما حدث سابقاً في العراق، حتى وإن تغيرت موازين القوى لصالح النظام، فلن يكون قادراً على قمع الأكراد.


ليس الحلم الكردي وحده اقترب من التحقق، بل الحلم الإيراني أيضاً، مع نمو نفوذ إيران وهيمنتها في الدول المجاورة، فأصبحت اليوم صاحبة كلمة قوية مسموعة، وقوة إقليمية، وتكاد تدشّن خط طهران- المتوسط، بالرغم من محاولات الولايات المتحدة ممانعة ذلك، وربما مستقبلاً التمدد إلى مناطق جغرافية أخرى!


الأكراد أصبحوا يرون الإسرائيليين والأميركيين حلفاء لهم، والشيعة العرب أصبحت إيران أقرب إليهم من المواطنين السنّة الآخرين، ومن دولهم في دول أخرى، والحلمان الكردي والإيراني يكبران ويقتربان من الواقع، فماذا عن الحلم العربي؟!


كثير منكم يتذكّر الأغنية العربية الشهيرة "ده حلمنا طول عمرنا" (التي تمّ إنتاجها قبل قرابة 20 عاماً، وشارك فيها نخبة من الفنانين العرب)، عندما كان هناك ما يزال شعور قومي وجمعي داخل المجتمعات العربية، وحلم بتحقيق الوحدة أو التضامن العربي، وكانت القضية الفلسطينية تمثّل الهمّ الأول لدى الشارع العربي!


لم تختف تلك الأحلام ولم تتبخّر، بصورة كبيرة، خلال كل العقود السابقة، فبقيت المشاعر القومية والإسلامية والوطنية عميقة. لكن الأمور لم تبق كذلك في الأعوام الأربعة الأخيرة، أي منذ العام 2013، الذي حوّل الحلم الجديد بالحرية والربيع العربي إلى كابوس مرعب، ما نزال نعيش فيه إلى الآن، ولم يحطّم الدول فقط، بل حتى المجتمعات نفسها، ثقافياً ومعرفياً ومذهبياً، بذريعة الحفاظ على الوضع القائم، والخشية من نتائج الربيع العربي.
وقامت قيامة حملات الشيطنة للثورات السلمية العربية، في محاولة لدمغها بطابع المؤامرة الصهيونية، وفي الحقيقة لم يكن "عمل الشيطان" إلاّ ذلك الذي قتل الحلم بالحرية وبالخروج من النفق المظلم الذي كان – وما يزال- يقود نحو الأسوأ!


اليوم، ماذا تبقى من "أشلاء" للحلم العربي، بماذا تعد الحكومات الشعوب المهجّرة والمحطّمة، التي يقبع ملايين منها في المخيمات واللجوء، والهجرة، أو من يرزحون تحت خطوط الحرمان والبطالة والفقر والخشية من المستقبل؟


بماذا يحلم المواطن العربي - بعد تحوّل الحلم إلى كابوس- سوى بالهجرة إلى الخارج، بوصفها وصفة النجاة والحياة الوحيدة، التي دفعت بالمئات منهم إلى ركوب الأخطار، أشبه بعمليات انتحارية غير مباشرة، عبر قوارب غير آمنة، مع عائلاتهم بحثاً عن الجنة الموعودة، أوروبا، بدلاً من "جنّة داعش" التي جلبت الويلات للشعوب العربية.


الحلم الوحيد، الذي يلقي شبابنا بأنفسهم إليه، هو حلم داعش والتطرف والراديكالية، لأنّ البديل انغلاق سياسي وبطالة وفقر وحرمان، وأنظمة لم تتعلّم الدرس، ولم تفهم بأنّ هنالك خطّاً تاريخياً محدّداً لكل مرحلة، وأنّ هناك نقطة تحوّل بعدها سيفيض الكأس!


انهارت أنظمة عربية، وتفككت دول، وتبعها تفكك المجتمعات والهويات الجمعية، ولم يبق شيء اسمه نظام إقليمي أو أمن قومي عربي، أصبحت الميليشيات في الداخل والدول في الخارج هي التي تحدد مستقبلنا. ألا يذكركم ذلك بنهاية الحرب العالمية الأولى!