درجة الحرارة في عمان 14 درجة مئوية 14° C
القائمة الرئيسية

استفتاء في مهب الريح

استفتاء في مهب الريح
جهاد المنسي

بعيدا عن نتيجة الاستفتاء الذي يقوم به إقليم كردستان/ العراق اليوم، والذي غالبا ستكون نتيجته مؤيدة بنسبة ساحقة للانفصال، فإن المؤشرات والمعطيات تشير إلى أن ما يجري في الإقليم عبارة عن قفزة في الهواء، في ظل رفض دول الجوار للنتائج وما سيترتب عليها، يرافق ذلك عدم دعم أي دولة في العالم للاستفتاء باستثناء إسرائيل، وهو دعم خبيث يراد منه فتح باب لإسرائيل للذهاب بمخططاتها الاستعمارية لأبعد قدر ممكن.


في البداية؛ لا بد من التأكيد أن حق تقرير المصير للشعوب حق مقدس، وهذا الحق ينسحب على الشعوب بكامل قومياتهم وأعراقهم وأديانهم وطوائفهم، وهذا ينسحب على الشعب الفلسطيني بكل أعراقه وطوائفه الدينية والاثنية والعرقية، سواء كانوا أكرادا، أم تركمانا، أم شركسا، أم دروزا أم عربا (مسلمين ومسيحيين)، وهو حق يجب على الكيان الصهيوني أن ينفذه ويلتزم به أولا، قبل أن يعلن عن تأييده لما قام به إقليم كردستان من استفتاء.


فإسرائيل تضرب عرض الحائط بقرار الأمم المتحدة، الذي يحمل الرقم 3236 الصادر العام 1974 والذي وافقت عليه 89 دولة، مقابل رفض 8، وامتناع 37، وفيه تم التأكيد على الحقوق الثابتة لشعب فلسطين وحقه بتقرير مصيره، فهذا القرار لم يعترف به الكيان الصيهوني، ولم ينفذه، ما يحرمه من حق إعطاء رأيه في حقوق الشعوب الأخرى، فلا يمكن أن يكون الشيطان في مكان شيطان وفي مكان آخر ملاك، إلا إذا كان يريد من وراء ذلك وضع أنيابه الخبيثة، هناك واستقطاب مؤيدين له، وهو ما نجح بفعله خلال الفترة الماضية مستفيدا من الانكسار العربي الرسمي والخنوع غير المسبوق.


لست ضد أكراد العراق أو أكراد إيران أو تركيا أو سورية أو أي قومية أو عرق آخر في هذا العالم، رغم أن لغة أكراد العراق وإيران تختلف مع لغة أكراد سورية وتركيا بشكل واضح، والكلام عن روابط مجتمعية بين أكراد تلك الدول، إنما هو كلام إنشائي غير مدعم تاريخيا، ورغم أن أكراد الشعب السوري لا يوجد لديهم مناطق كردية خالصة أو متصلة بعضها ببعض ما يصعب إقامة كيان موحد هناك، إلا أنني أؤمن بحقوق الأعراق والقوميات في التمتع بالحصانة والحفاظ على عرقهم وقوميتهم ولغتهم من الاندثار، وحقهم في تثبيت ذلك لدى الدولة المركزية، وهو ما كان يمارسه الشعب العراقي من أصل كردي في إقليم كردستان طوال سنوات سابقة.


لهذا كله أعتقد أن إقليم كردستان استعجل النتائج فتسرع في الذهاب للاستفتاء قبل انجلاء الصورة بشكل واضح في المنطقة، وهذا التسرع يجعلنا نتخوف أن يكون ما يجري تكرارا لتجربة فاشلة خاضها والد الزعيم الكردي الحالي مسعود برزاني، مصطفى برزاني عندما استغل أكراد إيران الحرب العالمية الثانية وما نتج عنها، وأعلنوا عن تأسيس دولة كردية في أقصى شمال غرب إيران سميت مهاباد، وكانت عبارة عن دويلة قصيرة العمر مدعومة سوفييتيا كجمهورية كردية أُنشئت في العام 1946، ولم تدم أكثر من 11 شهراً، وظهر هذا الكيان وقت ذاك نتيجة للأزمة الإيرانية التي نشأت بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية، فاستغل أكراد إيران الفرصة وقام قاضي محمد مع مصطفى البارزاني بإعلان جمهورية مهاباد، ولكن ضغط شاه إيران على الولايات المتحدة نتج عنه إعطاء الحق للحكومة الإيرانية بإسقاط جمهورية مهاباد الفتية، وهو ما حصل.


خلاصة القول أن أي استفتاء يتطلب وجود توافق دولي حوله، ودعما من دول الجوار، ولا يمكن الاكتفاء بدعم الكيان الصهيوني فقط وضرب عرض الحائط بكل الأصوات الأخرى التي خرجت وما تزال وطالبت بالأرجاء، ولهذا فإن جر الشعب العراقي من أصل كردي باتجاه استفتاء، ووضع أحلام دولة، قد لا تأتي جراء رفض الدول المحيطة، في مخيلتهم، يتحمل مسؤوليته الزعماء الأكراد وعلى رأسهم البرزاني، الذي يريد تكرار تجربة أبيه الفاشلة، وليس هذا فقطن إنما يبني على ذات العلاقات التي بناها والده، ولهذا كله فإن الاستفتاء مهما كانت نتيجته سيكون في مهب الريح، وسيكون أكراد العراق وكأنهم في سجن كبير في ظل محاصرة دول الجوار لهم.