درجة الحرارة في عمان 29 درجة مئوية 29° C
القائمة الرئيسية

الجريرة العمياء

الجريرة العمياء
حنان كامل الشيخ

نصادف أناسا نشفق عليهم من كمية الحزن والخجل الذي يملؤهم، بسبب “عار” يلحق بهم بدون أن يكون لهم ذنب أو يد فيه! وفي العادة فإن الأفعال المشينة التي يقوم بها أشخاص لا مبالون، تلحق الأذى النفسي والاجتماعي بمحيطهم الأسري والمعارفي.


لكن الأمر يكون مهينا أكثر وحساسا لذوي القربى من الدرجة الأولى، خصوصا ممن لا تتوفر فيهم صفات التحيز الأعمى والنصرة للقريب ظالما كان أم مظلوما. بل إن وقع الفعل يكون أشد على من يحمل منهم شعارات أخلاقية مترفعة عن أي شبهات، ويحملون على عاتقهم مسؤولية رفع الظلم عن الضعفاء، أو قضاياهم الإنسانية والعقائدية والفكرية والاجتماعية، نحو إنصافهم في الحياة.


سنشفق حتما على أب ذي سمعة مضيئة مشرقة، يحب الناس ويبادلونه الحب احتراما ومودة، يجاهر في محاربة الفساد وملاحقة الظلم، حين نسمع أن ابنته مثلا دينت في قضية سرقة أو مخدرات. ليس كلنا في الحقيقة سنشفق عليه، بالنظر إلى أخلاقيات المجتمع السائر بانتظام عجيب نحو فوضى الحواس. بل إن كثيرا منا سيفرح كثيرا حين تزول “غمة” غلالته البيضاء الناصعة عن المنطقة الفاصلة ما بين الحقيقة والتمني. سيسعدون لأن الوجه الجميل كان ثقلا فوق كاهل متطلباتهم الحياتية، وتفسيراتهم الميكافيلية لممارسة طقوس العيش كما يجب أن يكون من وجهة نظرهم.


أحد المعلمين المميزين في حقل دراسته، ومشهور جدا بين أوساط الطلبة خصوصا في مرحلة الثانوية العامة، بسبب علمه الواسع وأدواته المتمكنة لإيصال الرسالة التعليمية بطريقة غير اعتيادية، رسب ولده هذا العام في امتحان الثانوية العامة، لأي سبب كان. لا تتخيلوا حجم التشفي بالمعلم المحترم الوقور، الذي “لم يعرف كيف يربي ابنه”، كما وصفه كثيرون، فقط لأنه أخذ بجريرة مراهق، لم يقترف أصلا ذنبا سوى أنه لم ينجح في الامتحان!
في المقابل، تدفع بنات وأبناء نساء ورجال فاشلين أخلاقيا واجتماعيا، أثمانا مضاعفة من قبل مجتمعات لا ترحم، وتساوي الضحية بالجلاد، وتصر على أن تزر أوزارهم أوزارا أخرى، فتغالي في التشبيه ما بينهم وبين أهليهم، إن لم تتهمهم أساسا بالاشتراك المدبر عن بعد في الجريمة.


هؤلاء المساكين، يحاولون في أي مكان متاح لهم للتعبير عن أنفسهم، إن لم يقعوا ضحية الإقصاء الطوعي، يحاولون أن ينأوا بأنفسهم عن أخبار أهلهم، بل وحتى يمكن أن يتوغلوا في إعلان الحرب عليهم، لترضية مجتمع يعتقد في نهاية الأمر، أنهم جزء من اللعبة!


شاب في مقتبل حياته العملية، استيقظ على الدنيا وهو ابن لمسؤول ضال فاسد ظالم، يأكل حقوق الناس بقوة سلطته وجبروت موقعه. ترعرع بين همسات الآخرين حول أصل ثروته، وتفاصيل حياته، فبات مستهدفا أمام نفسه في أي تصرف يفكر في القيام به، قبل أن يستهدفه المحيطون به. هذا الشاب الذي قرر الانسلاخ أخيرا عن جلباب أبيه المرقع بدعوات المظلومين عليه، عبر وسائل التواصل الاجتماعي كافة، هاجر قبل أيام من بوابة سفارة أجنبية إلى بلد لا يعرفه فيه أحد، وبلجوء إنساني على فكرة، يستند على قاعدة وصمة عار خالدة لا يد له فيها، وحكم استباقي موجع نال من كرامته وإنسانيته حتى أنهكه.


لا شيء سوف يغير من مسلكيات المجتمع الجاهز لإطلاق الأحكام المطلقة “عمال على بطال”، بدون أن يرجع الناس إلى قلوبهم وضمائرهم الساكنة، قبل أن تستشري هواية الأخذ بجريرة الآخر، وتكون لعنة جاثمة فوق أسماء وقصص الأبرياء، الأبرياء القليلين أقصد!