درجة الحرارة في عمان 16 درجة مئوية 16° C
القائمة الرئيسية
واشنطن تعزل نفسها فهل نعزلها .. صرخة مؤجّلة !!

استقلال الأكراد

استقلال الأكراد
د.رحيَل الغرايبة

ذهب الأكراد في شمال العراق نحو الاستفتاء الشعبي على مبدأ الاستقلال وإعلان الدولة الكردية المستقلة في إقليم كردستان العراق غير عابئين بكل صيحات الاعتراض الصادرة من الحكومة العراقية أو من بعض الدول العربية الأخرى، ولم يستجيبوا لنصائح زعماء العالم بتأجيل هذه الخطوة، واعتبروا أن النصيحة بالتأجيل تعد إشارة واضحة لعدم رفض الخطوة، ولذلك ذهبوا قدماً نحو إجراء الاستفتاء في موعده المحدد، عبر حماسة شديدة لدى الأكراد بدت واضحة ومتفجرة.


الاستفتاء الكردي لم يكن مفاجئاً، بل يُعدُّ نتيجة طبيعية لسلسلة طويلة من الخطوات التراكمية، وكانت هناك مجموعة كبيرة من المؤشرات التي تحيط بالعالم العربي منذ عقود تظهر معالم المخطط الذي يستهدف هذه المنطقة بجميع أقطارها ودولها، ومن أغمض عينيه حول هذه الحقيقة إنما كان يخادع نفسه ويسلك تحليلاً رغائبياً، ويحاول أن ينجو من لحظة الاعتراف المرّة من خلال الهروب المتكلف من مصطلح «نظرية المؤامرة»، وقد اتضحت معالم هذه الخطوة من خلال قرارات مجلس الأمن الدولي الذي فرض مناطق الحظر الجوي إبان سنوات الحصارفي تسعينيات القرن المنصرم ، التي وفرت العوامل المطلوبة لنمو نزاعات الاستقلال التي كانت تحظى بالدعم والرعاية الواضحة والملموسة من الدول الكبرى ، وقد استثمر قادة الأحزاب الكردية في الظروف القائمة، وبعد سقوط بغداد بيد الأمريكان كانت الجهود الكردية تسير حثيثاً نحو استكمال معالم الدولة الكردية القادمة، وأصبح لها علم وجيش مستقلاً وموازنة مستقلة واتصالات خارجية مستقلة، ولم تفلح الاتفاقات العراقية الهشة بمنع سير الأكراد نحو هذه اللحظة، حتى لو تم تعيين رئيس الجمهورية من الأكراد.


يجب الاعتراف أن العالم العربي أصبح ضعيفاً ومفككاً، وما زال يسير نحو مزيد من الضعف والتفكك، فقد تم تحييد (الرأس) منذ عام 1978عبر معاهدة كامب ديفيد وأصبحت مصر لا ترقى إلى مستوى قوة معتبرة على مستوى الإقليم وأصبحت بلا ثقل سياسي وبلا وزن لا على المستوى العالمي ولا العربي، وتم تحطيم حواضر العرب بغداد ودمشق وطرابلس وصنعاء، وهناك عواصم أخرى غائبة تماماً عن الحضور، ولذلك لا شئ يغري بالبقاء من الأقليات التي كانت طوال حياتها تعيش حياة مشتركة مع العرب.


الأمر الآخر الذي يستحق التوقف هو المتمثل بشعار القومية العربية الذي فرض نفسه ردحاً من الزمن على معظم عواصم العالم العربي حيث انه لا يشكل أمراً مقنعاً لشركاء العرب من الأكراد والتركمان والأمازيغ والقوميات والعرقيات التي شاركت العرب لمدة قرون من الزمن، بالإضافة إلى وجوب الاعتراف بأن العرب فشلوا في إيجاد دولة المواطنة وفشلوا في إيجاد الجامع المشترك وأكثر ما تجلى ذلك بمحاربة الإسلام بوصفه من أكثر عوامل المشاركة والانصهار الناجحة عبر قرون طويلة.


لقد استقل جنوب السودان سابقاً، وكان ذلك يشكل جرس إنذار جدي للعرب قاطبة بسريان مرض النزعة الاستقلالية الذي لعبت عليه (إسرائيل) بذكاء ملحوظ، عبر التعاون مع بعض الدول الغربية والشرقية الكبيرة، وعبر عملائها الكثر الذين يخترقون الجسد العربي منذ فترات زمنية طويلة، ومما يجب أن نتصارح به بقوة أن هذه المسألة لا ينفع معها الوعظ، ولا الصراخ ولا كل صيحات الإتهام، بل يجب توجيه أصابع الاتهام بوضوح إلى الذات وإلى النظام العربي الرسمي العاجز عن حفظ حقوق الشعوب أولاً والتفريط بأوراق القوة التي يمتلكونها، والعاجز عن إقامة الديمقراطية الحقيقية التي تشكل استخفافاً واضحاً بالجماهير كلها، على اختلاف مكوناتها.