درجة الحرارة في عمان 13 درجة مئوية 13° C
القائمة الرئيسية

المشارع .. ديستوبيا الأردن!

المشارع ..  ديستوبيا الأردن!
محمد أبو رمان

تفاصيل مرعبة ومؤلمة ترويها الزميلة علا عبداللطيف عن قصة الفقر والحرمان في بلدة المشارع، في لواء الغور الشمالي، في تقريرها المنشور في الغد أمس.


التقرير يتناول معاناة عشرات العائلات في تلك البلدة، الذين يعانون مع أبنائهم الـ300 من ذوي الاحتياجات الخاصة، ما بين إعاقات عقلية وحركية، من دون أن يجدوا الرعاية الصحية المناسبة ولا المراكز المتخصصة التي تدعمهم وتخفف معاناة المعاقين، وتقلل من كلفتهم النفسية والمالية على أهلهم، باستثناء مبالغ زهيدة يتقاضاها بعضهم من وزارة التنمية الاجتماعية، لا تكاد تذكر!


المكان الوحيد، الذي يقدّم خدمات لذوي الاحتياجات الخاصة، هي جمعية خيرية، لكنّها خدمات متواضعة، وغير قادرة على ملامسة الاحتياجات الحقيقية لهم، أمّا منازلهم فتفتقد إلى الحدّ الأدنى من الشروط الإنسانية والصحيّة المطلوبة!


هذه البلدة، أي المشارع، التي تعاني من الفقر والحرمان، هي كما تقول الزميلة عبداللطيف موجودة في الأردن، واقع حيّ، وليست من وحي الخيال، أو من أفلام الديستوبيا (مدن الخوف والجوع والفوضى) أو أفلام ألعاب الجوع، التي نشاهدها في دور السينما. فيمكن لمن يريد مزيدا من الإثارة عن هذا الواقع المرعب أن يتجه إلى تلك القرية!


حالة بلدة المشارع، وقصص هؤلاء الـ300 ومعاناة أهلهم، هي جزء من حكاية خطرة ومؤلمة، بينما غابت منذ أعوام أي مسوحات رسمية دقيقة تقدّم لنا تشخيصاً لحالة الفقر والحرمان، في الأردن، وكأنّ المطلوب لفلفة الموضوع، وتجاهله، بينما الواقع أنّه يكبر ويتوسّع، ويتحوّل مع مرور الوقت إلى ملف خطير، لكنّنا كالعادة نفضّل غرس رؤوسنا في الرمال عن مواجهة مشكلاتنا وأزماتنا، حتى تنفجر في وجوهنا، ونتفاجأ بها، مثلما حدث مع ملفات التطرف والمخدرات والتراجع في التعليم الحكومي والجامعي وسلطة القانون والفساد الإداري..الخ.


الوجه الآخر لديستوبيا المشارع، وهو المسكوت عنه في خطابنا الرسمي، يتمثّل في الفجوة الطبقية المتنامية، أو بعبارة أدق موضوع العدالة الاجتماعية، الذي ما إن تطرحه أمام مسؤول أو سياسي، أو رجل أعمال ممتلئ مالياً، في إحدى فيلات عمّان الغربية الفاخرة، حتى تنتفخ أوداجه ويسارع إلى "اتهامك" بأنّك "اشتراكي"، ويردد أمامك السيمفونية المشروخة بأنّ هذه هي حال المجتمعات ودول العالم، فيها فقراء وأغنياء، ومن دون ذلك ستتوقف عجلة الاقتصاد!


هذا الكلام غير دقيق، والتجارب الاقتصادية- الاجتماعية في العالم متعددة ومتنوعة، وهنالك فروق بين الليبراليات، وإذا كان الفقر والحرمان كفرا في الأردن، فإنّ الغنى الفاحش والفجوة الطبقية كفر أيضاً، لأنّ نسبة عريضة من الأغنياء والقطاع الخاص لا يراعون مسؤولياتهم الأخلاقية والوطنية والاجتماعية تجاه الآخرين، وكأنّهم يعيشون في كوكب آخر مختلف ومغاير عن باقي المجتمع.


تلك الفجوة الطبقية، وما يرتبط بها من تباين شاسع اجتماعي واقتصادي ومعيشي، تقسّم المجتمع إلى مجتمعات، وتخلق شروخاً اجتماعية خطرة على أكثر من مستوى؛ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وإذا لم ينتبه القطاع الخاص وطبقة من رجال الأعمال والأثرياء إلى مسؤولياتهم فإنّهم – في نهاية اليوم- سيتحملون كلفة ملفات الحرمان والفقر والبطالة وانحطاط التعليم.


إذا كان هنالك قصور في الشعور الأخلاقي من قبل هذه الشريحة، فعلى الأقل ليدفعوا حق الدولة والمجتمع من ضرائبهم ولا يتهربوا مما عليهم من استحقاقات بدعاوى متهافتة أيضاً، فملف التهرب الضريبي وحده يوفر لموازنة الدولة مئات الملايين من الدنانير على أقل تقدير!