درجة الحرارة في عمان 12 درجة مئوية 12° C
القائمة الرئيسية
البيروقراطية والضرائب عقبات أمام الاستثمار .. الرئيس بالصورة؟!

ماذا قال البحر؟

ماذا قال البحر؟
حلمي الاسمر

بين حين وآخر، يسألك الناس، باعتبارك أحد المشتغلين بفك الحرف: «شو الأخبار؟ لوين رايحين» أو: «شو في ما في؟» هذا سؤال طُرح على جهاز الكمبيوتر، في سياق نكتة تُروى، فانفجر الجهاز ولم يحتمل السؤال، والحقيقة أن هذا السؤال دائم الطرح من قبل من يتطلعون لمعرفة ما يجري، وتختلف الأجوبة عادة، وفقا لمستويين من المتابعة، المستوى الأول، من يعتبرون أنفسهم جزءا من الحدث السيار، الذين يتعقبون القصص الإخبارية من خلف الستار ومن أمامه، ويعملون على التواصل الحار مع من يلعبون على المسرح وخلف الكواليس، وهؤلاء أشبه ما يكونوا بآلات التسجيل الصماء، فهم جزء من اللعبة وعادة ما يُلقنون ما يُراد أن يصل إلى جمهور القراء، أو السميعة ، بل ربما يتم تسخير هؤلاء لكي يسعوْا بين الناس بما يجب أن يسود من علم، وما يجب أن لا يعرفه أحد، أما المستوى الثاني، فهو خاص بمن ينأون بأنفسهم عن الاستغراق في التفاصيل، وإرخاء السمع للقيل والقال في دواوين السياسة، والنميمة، التي يحلو للمتقاعدين من الفعل والحياة ربما أن يرتادوها، ويحاول هؤلاء عدم الغرق في تفاصيل الأحداث، كي يتمكنوا من تحليلها، والخروج برؤى أقرب ما تكون الى الاستشراف، والتنبؤ بالمستقبل..


المثل الأكثر تمثيلا لهذا التنظير، يبدو بشكل جلي، لمن تصدوا للحديث أو الكتابة عن ظاهرة اصطلح على تسميتها بـ الثورات العربية أو ثورات الربيع العربية، والتي خصصنا لها ثلاثة مقالات هذا الأسبوع، ولا أجد قضية اختلف الناس في تقويمها، ووصفها، مثل هذه الظاهرة، بل إن القوم ليختلفون على التسمية ذاتها، فهم بين ساخر منها ولاعن، وبين مادح ومستبشر، ولعل سبب هذا التباين في موقف الناس من هذا الملف، أن جميع من تحدث فيه، كان غارقا في الحدث، على نحو أو آخر، بمعنى آخر، إننا جميعا كنا جزءا من هذه الثورات ، سواء من شارك أو وقف متفرجا، من استبشر ومن ابتأس، من وقف ضد أو مع، من قاومها ومن سحقت جمجمته؛ لأنه جزء منها، كل هؤلاء كانوا على نحو آخر جزءا من العملية، لذا، يصعب على أي منهم أن يقومها على نحو محايد، وعلمي، بل إن تفاعلات هذه الثورات لم تزل قائمة، ونتائجها لم تحسم بعد، لذا، من الصعب على أي مستشرف أن يتنبأ بما ستؤول إليه الأحداث في المآلات النهائية لهذا الحدث الضخم، الذي لم ينته بعد، ولن ينتهي في القريب العاجل، بدليل أن الساحات التي ضربها هذا الحدث، لم يزل بعضها ككرة من لهب، فيما لم تستقر الأوضاع في بعضها الآخر، ولم تأخذ شكلها النهائي بعد، كما أن من قاومها بقوة، لم تزل أصابعه على الزناد، مستنفرا خشية أن يتجدد أوارها.


ما يغيب عن ذهن من يسارع إلى الحكم على تلك الظاهرة الفريدة، سلبا أو إيجابا، أنها كانت حراكا سياسيا واجتماعيا معقدا جدا، ويلزم لتحليله ودراستها واستشراف مآلاته الحقيقية أن يمر وقت طويل، لتبرد الرؤوس التي تفكر فيها، أو كان جزء منها، مشاركة أو مقاومة، ولكل حساباته ومصالحه، ولكن ما لا خلاف عليه لدى أي من هذه الأطراف، أنها كانت حدثا كبيرا، يحمل من الأسرار أكثر بكثير مما يحمل من المعلومات المعروفة!


في لحظة صفاء بحرية، كنت أتأمل سطح البحر، كان هادئا تماما، كأنه طفل يغط في نوم عميق، وأنفاسه لا تكاد تُسمع، وفجأة تغير مزاجه، وبدأ يتحرك كمن أفاق من نومه، وبدأ يقذف بموجاته إلى الشاطىء، وفورا قفز إلى ذهني سؤال سريع: هل يمكن لهذا البحر الغامض، كما الشعوب، أن يكتفي بموجة واحدة، ويستقيل أو يُقال من حركته هذه؟ هل رأيتم بحرا ينتج موجة واحدة؟ وكذا هي الشعوب، تراها صامتة، أو تغط في نوم عميق، وفجأة، لا تدري متى، تقوم، وتنتج موجاتها، ويتغير مزاجها، ولعل كل ما يفعله القوم، هو حقنها بكل ما تيسر من «عقاقير» ومسكنات، كي تبقى غاطة في نومها، وهم يعلمون قبل غيرهم، أن البحر، لا يمكنه أن يبقى هادئا وادعا مسترخيا وكسولا ومتمطيا، وكذا هم الناس!