درجة الحرارة في عمان 28 درجة مئوية 28° C
القائمة الرئيسية

وصفي التل .. الرئيس المختلف

 وصفي التل  .. الرئيس المختلف
وصفي التل ..الرئيس المختلف
الوكيل الاخباري -

الوكيل - خاص - السيرة الذاتية المكتوبة والشفوية للرئيس الشهيد وصفي التل تشير الى انه كان رئيسا مختلفا ، ليس في حياته المهنية والسياسية فقط ، بل وفي طريقة رحيله ايضا.

اكبر ابناء شاعر الاردن عرار الذي حمل كنية ابي وصفي ، فيما حمل هو كنية ابي مصطفى ، رغم ان مصطفى هذا ظل غائبا عن حياة الرئيس وصفي الذي ولد في عام 1920 وانهى دراسته الثانوية في مدرسة السلط حيث كان من المتفوقين فيها ، فاوفدته الحكومة لدراسة الفلسفة في الجامعة الاميركية في بيروت ، والى جانب ذلك اهتم بدراسة التاريخ والاقتصاد والعلوم السياسية ، ليكون ملما باطراف الوعي السياسي من جوانبه كافة.

السنوات التي قضاها الرئيس وصفي في الجامعة اسهمت في صياغة وعيه السياسي ، ودفعت به للانتماء للحركات القومية التي كانت ناشطة في تلك المرحلة ، وبعد تخرجه من الجامعة ، وكانت الحرب العالمية الثانية على اشدها ، عمل لفترة قصيرة معلما في ثانوية السلط قبل ان يلتحق بالجيش البريطاني برتبة رئيس ، ليحصل بذلك على ضالته في التدريب العسكري الذي يخدم مشروعه السياسي في الدفاع عن عروبة فلسطين والتصدي لاطماع العصابات الصهيونية ، وقد خاض العديد من المعارك عامي و1948 1949 ضمن صفوف جيش الانقاذ في مناطق متفرقة من فلسطين ، ليلتحق بعد النكبة للعمل في صفوف الهيئة العربية العليا ، بعد ان عمل عام 1947 في المكتب العربي بلندن مدافعا عن قضية فلسطين. ظلت فلسطين هاجسا قوميا ووطنيا وشخصيا للرئيس وصفي الذي لم يتخل عن قناعاته حتى في احلك الظروف ، ولذلك كان موقفه رافضا لمشاركة الاردن في حرب حزيران 1967 لقناعته بعدم توفر امكانية المواجهة.

من المؤكد ان سياسيا محترفا ومثقفا مثل الرئيس وصفي قد قرأ جيدا سيرة والده المتمرد عرار ، وهو الذي تعرف اليه جيدا بحكم السن ، وقد حفظ الكثير من قصائده التي تناولت موضوعات سياسية واجتماعية جريئة قياسا بعصره. بعد عودته للاردن نهاية الخمسينات ، اصبح وصفي التل مديرا للاذاعة الاردنية ، ويؤكد الذين عملوا معه في تلك المرحلة انه حول الاذاعة وبرامجها الى سلاح في المعركة ضد اسرائيل ، خاصة في ميدان الحرب النفسية مع العدو ، في الوقت الذي اعاد فيه الاعتبار للاغنية الاردنية التي انطلقت عبر اثير الاذاعة الى ارجاء الوطن كله ، كما ادخل للاذاعة ظاهرة التعليق السياسي لابراز رأي الحكومة في الاحداث والمتغيرات. بعد اعلان الجمهورية العراقية عام 1958 وتوتر العلاقة بين عمان وبغداد ، كان لا بد من اختيار سفير بمواصفات مختلفة لتمثيل الاردن في بغداد ، فوقع الاختيار على وصفي التل بما يملكه من وعي وموقف وكفاءة ، ليذهب الى بغداد في مطلع الستينات ، وليسجل ابو مصطفى سابقة 


في الحياة السياسية الاردنية يتم فيها للمرة الاولى تكليف سفير بتشكيل الحكومة ، فانتقل وصفي التل من دار السفارة في بغداد الى دار رئاسة الوزراء في عمان ، وبجعبته برنامج حكومته. خمس وزارات شكلها الرئيس وصفي التل ، الاولى عام 1962 والخامسةعام 1970 ، اسهمت في كسر العديد من التابوهات السياسية التي كرستها مواقف الحكومات السابقة ، ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تعيش تحت وطاة الاحكام العرفية ، قام الرئيس المختلف وصفي التل باختيار شخصيات حزبية ، كان الكثير منها محسوبا على المعارضة ، للمشاركة في الحكومات التي ترأسها ، واسهم عن سابق موقف بالعمل على اعادة عدد كبير من المفصولين الى دوائر الدولة ، في وقت ذهب فيه الى حرق عشرات الالاف من الملفات الامنية لاشخاص كانوا مطاردين بسبب انتماءاتهم الحزبية ، كما صدر في عهد حكومته الثالثة عام 1965 العفو العام عن كل اللاجئين في الخارج والمعتقلين السياسين في الداخل ، حيث عاد معظمهم للاندماج في المؤسسات العامة ، ويسجل للرئيس وصفي التل انه جعل المؤتمرات الصحفية ظاهرة ملازمة لعمل الحكومة في شرح برنامجها للرأي العام.

لم تكن الرصاصات التي انطلقت في بهو الفندق بالقاهرة عصر يوم الاحد الموافق للثامن والعشرين من تشرين الثاني عام 1971 قد انهت حياة الرئيس وصفي التل فقط ، بل اسهمت في اغتيال المشروع السياسي الذي كان يؤمن به ابو مصطفى ويعمل جاهدا على تحقيقه ، من خلال ايمانه بدور الاردن وهويته القومية ودوره في الدفاع عن عروبة فلسطين ، ليخسر الاردن والامة رجلا آمن بعروبته ظل اسمه وصفي التل.

اكثر قليلا من اربعين عاما كان عمره عندما شكل حكومته الاولى ، واكثر قليلا من خمسين عاما كان عمره عندما ودعه الاردن الى مثواه الاخير ، لكن الذين تعرفوا عليه وعملوا معه يؤكدون ان وصفي التل ظل رجلا مختلفا في كل المواقع التي شغلها ، وعندما كان خارج الوظيفة الرسمية كان بيته في الكمالية على اطراف صويلح يتحول الى منتدى سياسي وفكري يضم كل الوان الطيف ، وفيه مكتبة عامرة ضمت الاف الكتب التي عالجت الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية ، كان ابو مصطفى حريصا على متابعة اخر الاصدارات محليا وعربيا ودوليا ، وقد تحول هذا البيت الذي بناه بنفسه الى متحف يضم مقتنيات سياسي محترف صار رئيسا للوزراء .