الخميس 23-05-2019
الوكيل الاخباري



الشعر هو الممثل الشرعي والوحيد للحياة!





الوكيل الاخباري - الوكيل - غازي الذيبة.. شاعر وكاتب .. أسهم بإطلاق جماعة أجراس الشعرية عام 1992 في الأردن مع مجموعة من أصدقائه الشعراء، ولم يكتف بذلك فقد ساهم مع مجموعة أصدقائه الشعراء في الدوحة عام 2004 بإطلاق جماعة قلق التي اعد لإطلاقها قبل ذلك بسنوات ولكن دون أن تحمل أي تسمية.تُرجمت قصائده الى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والاسبانية، وصدر له من الكتب: جمل منسية (شعر) دمشق 1995، ودقيقة وأخرج حياً (شعر) الأردن 1996، ومفاتن الغيب (شعر) الأردن وبيروت 2001، وحافة الموسيقى (شعر) قطر 2001، وتفاحة الأسرار (شعر) الأردن 2006، وخفقةُ الذّرَى (شعر)، الأردن 2007.قدّم للتلفزيونات العربية عدداً من الأعمال الدرامية منها: أبناء الرشيد ـ بالتشارك مع الكاتب السوري غسان زكريا، وذاكرة الجسد عن رواية الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، وعبد الرحمن بن عوف، وورد وشوك، وغيرها من الأعمال الوثائقية والفيلمية. شكلّت تجربته الشعرية وعمله في الصحافة الثقافية العربية لسنوات طويلة وكتابته للسيناريو التلفزيوني تنوعاً فريداً، لفت الانتباه الى كتابته، ولما لتجربته الشعرية من حضور لافت في المشهد الإبداعي الشعري العربي، فإنني أقدم هذا الحوار لنلقي الضوء على جزء من عالمه:* غازي .. شاعراً .. هل يمكن لهذه الصفة ان تلتئم على تاريخ شخصي يحتمي بها، يضيؤها، ليسفر عن تعريف بجزء من التجربة ؟* قبل أن أعتقد بأنني شاعر، كنتُ أمضي باتجاه ما يشبه الكتابة في سن مبكرة جداً، واذكرُ أن جدران الحيطان الطينية في مخيمنا، الذي خلع الخيام لينتقل الى بيوت الطين الهشة، كانت تئن من خربشاتي، فكل ما يقع تحت بصري من كلمات، كنت أحاكيه رسما عليها، فيما بعد، وحين دخلت المدرسة، تعرفت على الكتابة، واجهت صعوبات في التعلم حينها، لكن ذلك لم يمنعني من الانجذاب للأناشيد المدرسية التي كان الأساتذة يرخمونها بأصواتهم حتى نحفظها، فبدأت أقلدهم، وأنظم ما يشبه تلك الأناشيد، ومنذ تلك الفترة، تعرفت على الشعر والكتابة..* كنت تعتقد بأن الشعر سيغير العالم ؟ * أجل وما زلت .. لقد اعتقدت أن الشعر يستظل به الفقراء والمنكوبين، وأنا ابنُ النكبة الفلسطينية، عشت في المخيمات، وعرفت لذعة الفقر ولعنة التشريد، وقسوة السير حافيا وسقوط سقف البيت على رؤوس ساكنيه شتاء، ورأيت ككل من رأى، من أبناء جيلي، الدم والألم وهو يسحق ببساطيره أرواحنا الصغيرة، ويهشم أحلامنا بقطعة حلوى، أو دمية وعلبة ألوان، ويحطم تلك الشجرة التي نريد ان نستظل تحت أوراقها، من هذه الغمامة، من هنا بدأت أُغني، وتعرفت على أشعار المتنبي والمعلقات والشعراء العرب في كل قرنه وزاوية من هذا العالم، لكن أكثر ما جعلني مشدوها بالغناء والإيقاع، هو ذلك الصوت الرخيم الذي ينبعث في أيام العزاء .. انه صدح مرتل القرآن، ذلك كله دفعني إلى تجويد تعلقي بالكتابة.* في وقت مبكر غنيت .. بمعنى أنك كنت تتشكل شعرياً على الإيقاع؟ * كنت عاشقاً للكتابة ولم أرد أن أخرج منها إلا شاعراً، الإيقاع كان بطلين فهو الذي رفع وتيرة الغنائية في شعري، وهو الذي أمدني بتلك الطاقة التي تجعل الشاعر يستمر في صدحه، ومن رائحة الأصوات العميقة الخفية في الأشياء، كنت اسرق الأغاني التي لا يتعرف عليها غير الشعراء واخرج الشعر منها، لأظل كما لو أنني مغنٍ يتودد إلى الموسيقا، أتخلّق معها، وأشدها بأصابعي جهة الورق لتخرج قصائد كما أريد.* الموروث ..وكأن قدر كل شاعر عربي ان ينهل منه، أهي ضرورة لا بد لها أن تفرد قيمها على كل تجربة شعرية؟ * لعل إدراكي لأهمية الموروث الشعري والسردي هما من دفعاني الى التقدم في مسارات الكتابة، وعلي أن أعترف، أنه لولا المتنبي وامرؤ القيس وأبو نواس وعروة بن الورد والمهلهل بن أبي ربيعة .. والجاحظ والتوحيدي لما صرت شاعراً، فموروثنا الأدبي مبني بفخامة معمارية من المستحيل أن تتهدم أساساتها، انه ذروة في منجزه الإبداعي والحضاري، صاغ هويتنا الإنسانية، ومنحنا روحا تتوثب لخلق صيغ جديدة في التعبير عن ذواتنا، وما زال يتحرك فينا الى اليوم. * ثمة التباس في وعي النوع الإبداعي .. الشعر الرواية .. القصة .. الخ، وعليه يحصل التباس في وعي قيمة المنجز وصاحبه.. فالروائي مثلا يعلن أنه يمثل عصره، والشاعر ماذا يمثل مع انه ابن العصر الذي ينتمي إليه ؟ * الشاعر ابن الحياة .. ابن الأزمنة كلها .. ابن ذاته .. أما الروائي فهو قناص تفاصيل، والسرد الروائي لا يتحقق ببلوغ السارد/ الروائي هنا، القدرة على إنتاج روايته، بل بقدرته على صيانة عالمه بما سبق وان انجر من إبداعات، ومن ثم يحقق تقدمه من خلاله، هو يغرف من الشعر.. من القصة .. من التاريخ الماضي والحاضر.. من العلوم، انه أشمل في العمل على مناطق الحياة، بينما الشاعر أبعد رؤية، وأدق استشرافا للمستقبل، وأكثر تعميقا للمعنى، أما ما يمثل العصر فهو المنجز سواء كان شعريا أو روائيا، وللحقيقة فإن الشعر يستمر في خلوده، بينما الرواية، تعيش وقتها، وسوى تلك الروايات التي تمتح من الشعر رؤية وهجسا، فإننا لم نكن لنسمع بحي بن يقظان أو بدون كيخوته .. فالشعر هو الممثل الشرعي والوحيد للحياة، ولكافة الأزمنة.* يقول نزار قباني ‘الشعر جسرٌ من الكلمات الجميلة نمدها للآخرين، وهو إذا لم يجالس الناس لا يكون منهم.. أنا التقط شعري من شفاه الناس وأمرره من مصفاة الشعر ثم أعيده إليهم ثانيةً ‘، ماذا تقول أنت ؟* هذا معلمي العظيم .. ولا اختلف معه فيما يقول، وربما ستجد في شعري انتماء لهذا الفضاء، استعادة دور الكلمات، وكشف قوة فعلها الشعرية، أجل الشعر هو الكلمات الجميلة، لأنه ينسجم الجمال، ويندمج كلياً مع الحياة، ولا يخرج عنها.. انه معايشة حارة لأحداق الشجر والجبال والناس، إنه الطبيعة في صياغة أخرى، في تأويل آخر، تدرب نفسها على أن تثمر أنواعا لذيذة من الحب، والمشاعر لتدفع بالناس الى إنسانيتهم، إذ لا يمكن للإنسانية أن تتعمق فينا، بدون الشعر، ولا يمكن للشعر أن يصبح شعراً لولا وجودنا فيه، والانفصال عن ذلك هو الموت.* بماذا يحلم الشاعر، وعلى أي جبهة يقاتل ؟* كظلال الأشجار، يحلم بالفيء، بالحب، بالأطفال وهم يركضون تحت ظلال الأمل، يحلم بتحقق يوتوبياه المعلقة بين السماء والأرض، ويكفي ان الشعراء هم آخر صناع الجمال على الأرض، وما زالوا يحلمون ويسعون الى فرد أحلامهم في كل مكان، والحلم هو السبب العظيم للشعر، وبدونه تغلق كل نوافذ أرواحنا، وتصبح الأشياء مجرد ضباب يسوق العتمة الدامسة إلى نهايات مؤلمة، لذا فالشاعر يقاتل عن حلمه، أنا مثلا احلم بتحقيق الحرية لكل المضطهدين، بانتباه الإنسان الى أنه في مواجهة مجنونة صنعها مع الطبيعة التي صارت تدمر نفسها بنفسها بسبب احتجاجها على تصرفاته الحمقاء.. * ‘جمل منسية’ هو ديوانك الشعري الأول، ألم يكن مفاجئا لك ان تسجن قصائدك في ديوان .. ما الذي أردته من ذلك الإصدار المبكر في حينه ؟* ان أرى كتابا لي يحمل بين دفتيه جزء مني يعني أنني بدأت أقف في مواجهة مباشرة مع العالم، لم أشعر ان الورق يسجن الكلمات، حينها فرحت، صرخت، دعوت أصدقائي للاحتفال، رأيت الفرح في عيونهم، هذا ما كان يجعلني أتأرق، أن أرى المشاعر تتدفق سواء معي أو ضدي، لتعلن كم هو جميل ان يرى شعرنا النور في كتب وان يقرأه الناس، لم أكن أريد من نشر شعري أي شيء سوى ان يحلق، كما لو انني ما زلت بعد اكتبه طازجا، حارا، يتدفق من عروقه الدم، في أول إصدار لي حاولت ان احتمي بلحظة الفرح الأولى لشاعر يرى كتابه الأول، وأمسكت عليها، والى اليوم احتفي بذلك الفرح العذب والمؤرق لصدور أي من كتبي ونصوصي التي انشرها.أما ما أردته من جمل منسية، فلم يكن مقصودا، ربما أردت استعادة ذاكرتي المفقودة، وتكريمها، ولعل الكتاب التالي لجمل منسية وعنوانه دقيقة واخرج حيا، يؤكد هذا التطلع، فما زال الكتابين يعيدانني للذاكرة، صحيح أنني في كل شعري احمل ذاكرتي وامشي، لكن جمل منسية هو بيان رقم واحد لإعلان الحرب على النسيان .. ودقيقة واخرج حيا، هو محاولة لإنقاذ ما تبقى من الذاكرة التي فقدناها في حمأة انشغالنا بهواجسنا وخوفنا، لقد فرمت ذاكرتنا بأنياب بلدوزرات القمع والترويض وفي كل ما اكتبه، أدافع عن الذاكرة، التي هي وجودي ووجودك، وأحاول منح من سيقرؤني جواز سفر للعودة الى الوراء، ليس من اجل ان يظل قابعا في العتمة، بل من اجل ان ينهض بروحه ويمضي للاقتصاص من كل القتلة والمجرمين الذي يسلطون سيوفهم على رقابنا، ويمنعون عنا الهواء والماء والوظائف والنساء الجميلات والحرية والحب والقصائد. * يقول لوركا ‘لم تُنظم بعدُ القصيدة التي تنغرز في القلب كما ينغرز السيف’، فمتى تكتب هذه القصيدة ؟* لم تأت تلك اللحظة التي ينفجر منها عبق الكلمات حول تلك القصيدة التي أريد، وليسمح لي أخي لوركا، أن أضيء شمعة على قبره المجهول، واسلم عليه في هذا المساء، وأخبره ان شعراء كثيرين بعده تم اقتيادهم للموت، لأنهم غنوا للحرية، فاهنأ وان الزمن الذي كنت تحلم به بعصافير الجنة، لم يأت بعد، وقصيدتك التي تنغرز في القلب كالسيف قلتها حين أطلقوا النار على ظهرك وأنت تحمل أحلامنا، فهذه القصيدة لا يكتبها الشاعر وحدة، بل يسهم فيها كل من يمتلئون بالشعر، وإذا لم يحقق الشعر ذلك الامتلاء، فإن أحدا من الشعراء لن يكتب تلك القصيدة، إلا إذا كتبها بمثل الحياة العظيمة التي خلدها لوركا باستشهاده وهو يقتل غيلة. لقد كتب امرؤ القيس وطرفة والمتنبي والحلاج قصائدهم التي تفيض عن الانغراز في القلب، بحياتهم، كتبوا ما نحلم بكتابته، صحيح ان هذا لا يكفي، لان الحياة تسيل شعرا، وان القصائد التي لم نكتبها بعد، تحتاج الى حياة أخرى كي تكتب، لذا فإنني أكتفي الآن بكتابة تلك القصيدة التي تنزرع ورداً في القلوب..* يقول (لورد تسترفيلد): إن الألفاظ هي الثياب التي ترتديها أفكارنا، ويجب ان لا تظهر أفكارنا في ثياب رثة بالية’ ؟* اللفظة الأنيقة، الفخمة، هي التعبير الحقيقي للشاعر الصافي والأصيل عن قدرته على البناء الفخم للنص الشعري، فالشاعر الذي لا يقدر على وضع اللفظة المناسبة في المكان المناسب، والكلمة الأنيقة في المكان الذي تستحقه، مطرود من جمهورية الشعر. لذا، وهذا ما أتصوره، نحتاج الى فهم عميق للغة وألفاظها قبل ان نهجم على الكتابة الشعرية. لقد فهمت الشعر من هذه الزاوية قبل ان اسمع بمقولة ‘تسترفيلد’.* في قصيدتك الطويلة .. (تفاحة الأسرار) مرارة شديدة، ملحمية، سيرة للمخيم وابنه، تفاصيل للجوء والشقاء والحرمان والحنين، وما تتفرد به هذه التجربة فنياً هو استخدامك للعديد من التقنيات الإبداعية من تداع وتذكار وتقطيع سينمائي، إضافة إلى بعض الحيل السردية والروائية، فهل تعود هذه المرارة إلى نزوع خفي نحو الوحدة والتأمل الروحي ؟ أم جاءت بسبب جدب الواقع الإنساني والاجتماعي ؟* في الحقيقة هذه القصيدة، هي نتاج لحظة صفاء استثنائي في حياتي، كنت شبه معتزل فيها عن الصخب، كنت احلم بكتابتها منذ زمن بعيد، كانت كامنة فيّ حتى أرقتني، وحين انحنيت على الطاولة لأكتبها، استغرقني ذلك ثلاث سنوات، وحتى لا ابتعد كثيرا عن فضاءاتها بقيت مخلصا لها طيلة تلك الفترة.. ولان الغناء هو من أسس رؤيتي للشعر، فقد احترت وأنا اكتبها .. كيفي يمكنني ان امضي في غنائيتي وأنا اكتب قصيدة نثر طويلة، لكن المرأة والألم الفلسطينيين، كانا يتدفقان كجوقة خفية في مسامات التفاحة، ويعلنان تمردهما على الوقوف على الأطلال، ويمجدان رغبتي القوية والمندفعة نحو كتابة أغنية بروح مختلفة، عن الإنسان. ورغم التسجيلات الهامة لهذا الألم وتلك المرارة، بقي الفلسطيني مقمطا بالنمط، كما قدمته أدبيات النكبة والنكسة والانتفاضة، وحصرته في انه مجرد مقاوم وفدائي ومحارب، لم تطل على عذاباته الداخلية كإنسان، على ألمه اليومي، على مراراته التي لا تنتهي، على خيباته، على انتكاساته العذبة، على الخيمة التي جردته من حلمه، على وعيه المبكر للمعنى والوجود .. على تقدميته التي جعلته واحدا من اكثر المطلوبين في العالم للتنكيل والقتل والمذابح، لذا كانت هذه القصيدة محاولة للدفاع عن تلك الذات، المشرقة. وهذا ليس مديحا للفلسطيني بقدر ما هو محاولة لاكتشافه من خلالي، أنا ابن الفقد والمرارات المكثفة في دورق المنافي، المصفاة كعتمة خالصة، لقد عشت المخيم بمعناه المادي والوجودي، ولا أظن أن هذه التجربة يمكن اختزالها في قصيدة او فيلم او كتاب.. وتفاحة الأسرار هي اضافة الى منتج هام حول المخيم، ربما تسهم في صياغة فهم جديد للحالة التي يرتفع المخيم على جنباتها، وتحقق منظورا جديدا لرؤية الفلسطيني، كقيمة إنسانية عالية .. وبهذا الهاجس .. كانت التقنيات المختلفة في سياق هذه القصيدة الكتاب الذي يمكن البدء بقراءته من أي صفحة، اقترابا من حالة الفلسطيني ذاته، الذي يمكن رؤيته من كل الزوايا والجهات التي يقف فيها.. وعلي هنا ان انوه: ربما تكون تفاحة الأسرار محمولة على هجس سيري، لكنها في حقيقة الأمر لا تنطوي على سيرة بعينها، إنها سيرة جمعية إذا شاء لهذا التوصيف ان يتمكن من معناه، سيرة تحتمي بالمخيم وناسه، خاصة بعد سنوات العار الإنساني الشاقة التي أخفقت في إعادة الحق لأصحابه، ومنعتهم حتى من امتلاك حياة كباقي البشر على مدار سنوات لا يمكن لها ان تكون إلا سنوات جمر وعذابات، ستبقى وصمة خزي في جبين كل من مارسوا أدوارهم في تشريد الفلسطينيين عن وطنهم.. * في منوال آخر فإن قصيدتك الأخيرة (خفقة الذرى) تحمل في تضاعيفها رؤية تنسجم مع هذا الفضاء، لكنها قصيدة تفعيلة، مع أنها صدرت بعد التفاحة، وكما لو انك تنحو باتجاه كتابة الملحمة، ففي الخفقة نفس ملحمي درامي سجَّلت فيها البطولة المشرقة لملحمة مخيم جنين، وهذه بدروها كانت نقطة ارتكاز أساسية في القصيدة ؟ ما الذي أردت أن تقوله من خلالها ؟* بعد ان انتهت معركة مخيم جنين الأسطورية، وبعد الشهادات السوريالية عن حفنة مقاتلين قليلي العدد، كبدوا جيش العدو خسائر لم يكن يتوقعها في كل استراتيجيات الموت التي يصنعها، وجدتني أمضي الى كتابة هذه القصيدة، مدركا الغياب الهائل للاحتفاء بملحمة هؤلاء المقاتلين الحقيقية، وهي ملحمة لا تتكرر إلا عند الفلسطينيين، ولعلنا نتذكر كيف قاوم الفلسطينيون في بيروت وفي قلعة شقيف بلبنان، لقد تساءلت عن الغياب الإبداعي الذي رافقه صمت شعري عما حدث في جنين، لماذا حدث ذلك الصمت، والملحمة الحقيقية قد أنجزت، وفضاء الشعر فيها حار، يمكنه ان يؤرق العالم كله، لماذا أغفلنا جنين؟ ويبدو انه ليست جنين وحدها من باتت تنام في غيابة النسيان، فشعراؤنا ذهبوا الى كتابة قصائدهم عن الذباب والسجائر والهزائم الشخصية التافهة، ومجدوا سطحيتهم، ويحاربون للذهاب الى المهرجانات، لكن العلامات الفاقة في حياتنا يخافون الاقتراب منها لأنها تفضحهم، وتكشف عوراتهم وعدم قدرتهم على كتابة ذات طعم ولون ورائحة، كتابة ترتقي بهم وتعلِّي من مكانة الحياة في وجدان الناس. وللحق فإنني لم اكتب ملحمة المخيم بل المخيم هو من كتبها، هو من بادر الى تسجيل براعته في الانتصار على الموت، والوقوف بوجه بلدوزرات كاتربلر والاباتشي والاف 16 .. كان ثمة التحام حقيقي بين اللحظة العظيمة التي انتجها فلسطينيو مخيم جنين في مواجهتهم للموت بالحياة، والدفاع عن ربع كيلو متر مربع بسلاح خفيف وعقل ديناميكي يشهد على ان القوة مهما كانت كبيرة فإنها تبقى غبية، وبين الشعر، فما حدث في المخيم هناك، لا يمكن أن يصوغه بيان ثوري ولا فيلم سينمائي وطني ولا كتاب، الشعر هو الذي يقف على الملحمة ويعيد قولها للعالم، ليظهر من خلالها تدفق الأمل بالحرية في روح من يدافعون عنها، ومن يسمون بها ويصوغون بيانات الشرف العربي.كان من الغريب ان يتحول مشهد المخيم وهو مدمر الى حالة من الصمت المريب لدى شعرائنا العرب الذين لم يكتبوا كلمة واحدة فيه، كما لو أنهم عاجزون عن قول شيء له معنى أمام المعنى الملحمي الكبير في تلك البقعة الصغيرة، لم يدركوا ان هذا الدمار لم يكن في حقيقته إلا دمار للروح الإنسانية في الحضارة الحديثة، وصرخة في وجه الصمت أيا كان سواء في الشعر أو في السياسة .. وان الحياة التي قنبها أبناء جنين من الزوائد الفولاذية، بقيت تورق، فقد عاد المخيم لأفضل مما كان عليه.. وبقي قصيدة تحلق في خلود ملحمة المخيم ذاته. * هل تتفق ووجهة النظر القائلة بأن وظيفة الشعر إنقاذ الروح من شوائب الحياة العصرية؟ * لا ادري إن كان هناك ثمة وظيفة للشعر، فالذي اعرفه ان الشعر ابعد ما يكون عن تحمل عبء الوظيفة، وروتينها الممض، ولعل في بلاغة هذه العبارة ما يشي بأن الشعر يحمل في مسعاه، جمالا، يرفع من قيمة الحياة، ليعلي من شانها، وبدونه فإننا بلا معنى، وبلا قيمة، وهذه ليست مبالغة، دعنا نقوم بهذه الوصفة، فلنخلص الحياة من الشعر، ما الذي يتبقى : سياسة ..اقتصاد .. حروب .. نزاعات .. كوارث طبيعية .. جنون.. أمراض .. صناعات .. وقود حيوي .. قنابل نووية .. طائرات بي 52 .. أسلحة .. دولارات.. تلوث بيئي .. .. لا أظن أن معنى الحياة يكتمل بهذه الأشياء التي تزهق الروح، وتخربها .. منذ بدء الخليقة .. كان أول ما تعلق به الإنسان هو الشعر الذي تقوله الطبيعة وكائناتها .. الشعر الذي يتأمله الإنسان بصمته وبأشيائه ، وحين أفصحنا عن الشعر كقول، بدأ الإنسان به، ولن تستمر البشرية إلا به، فإذا مات انتهت الحياة .. * في الأمسية التكريمية التي نظمها نادي الجسرة الاجتماعي بمناسبة مغادرتك الدوحة بعد تسع سنوات من العمل فيها، والتي شارك فيها أعضاء وشعراء من جماعة (قلق) الشعرية، ألقى بعض أصدقائك ومحبي شعرك كلمات وقصائد جميلة ومؤثرة ومنها على سبيل المثال لا الحصر كلمة الشاعر عيسى الشيخ حسن: (موسم العودة إلى الشمال) وإلى غازي يوم قلقه الأبدي: (سلاماً أيها الغيمُ المغادرُ نصّنا من قبل أن يبتلّ ريقه) وهي قصيدة وداعية من بسام علواني رد بها على قصيدتكم التي ودعتم بها أصدقائكم في جماعة (قلق) والتي كانت بعنوان (ظلال نراجيلكم)، وكذلك كلمة الشاعر عبد الله الحامدي، الى فضاء يمكن للغياب ان ينتمي ويحتفل به؟* أحرقت قلبي بهذا السؤال الذي يحمل في تضاعيفه شيئا من خسارتي التي كنت أتمنى الا تقع لي .. فتلك احتفالية حملت في بلاغتها قدرة أصدقاء عمري على ان يظلوا ملضومين بوجدانهم الصافي، بشعرهم العميق، بأرقهم الذي لا يكل، داخل روحي، لقد ودعت أجمل الشعراء الذين تمكنوا في كل لحظات صداقتنا من ان يظلوا مثل السنديانة، إنني أكن للحظات التي ما زلت متعلقا بها مع أصدقاء الشعر والحياة في الدوحة كل الحب والامتنان، فهي التي أمدتني بأزهار المعنى، وصدقني لم اغب عن الدوحة التي أحبها، ولا اعتقد أنني سأغيب عنها حتى وأنا أزورها لماما، والتقي أصدقائي فيها هناك .. أصدقائي الشعراء وأصدقائي الذين يحبون الشعر وأصدقائي الذين يرقصون على إيقاع الحياة ألما وفرحا.. فما زلت على اتصال معهم، لقد تعلمت منهم ان الغياب يصبح حضورا إذا انتزعنا منه عتمته.. *.. وجماعة (قلق) التي أسهمت مع بقية أصدقائك في تأسيسها وإطلاقها لتثير القلق؟* جماعة قلق .. قلق، وما زلت قلقا مع مؤسسيها، وان بدا ان ثمة توقف لحركتها هذه الأيام، فلأنها تعيد تشكيل ذاتها، هذه الجماعة بعيدا عن الانحياز الذي يملؤني لأبطالها، ليست مؤسسة، وبعيدة عن كل مواصفات الجماعات التي تنتمي الى مدرسة فكرية أو رؤيوية، إنها فقط تنتمي الى الإنسان بكل تناقضاته، ولعله من اسمها يمكن ان تكتشف قوة ما تحمله من معان، تدلل على عدم استقرارها.. حين غادرت الدوحة .. كنت التقي الأصدقاء على الهاتف أو الانترنت وأنا في عمان.. ونتبادل الآراء، ونقرأ الشعر، وفي آخر زيارة لي للدوحة التقينا لقاءات عجيبة مليئة بالسخرية من الغياب واحتفلنا على طريقتنا بالتسكع في شوارع الدوحة والجلوس على مقاهيها، وقراءة الشعر، وتناقشنا بمشاكلنا التي لا تنتهي، وهناك قرار بالتوقف عن تحريك أجنحة الجماعة هذه الأيام، لكن في وقت قريب سيعلن عن برنامج عمل للجماعة مختلف عما كان يتم في السابق، وأنا الان بصدد ترتيب زيارة للدوحة كي نبادر الى تنشيط الجماعة التي تمكنت في وقت قصير من ان ترج بعض الساكن .. ولعل الكتاب الأول الذي صدر للجماعة ، يعبر بصيغته البسيطة عن القلق الحقيقي لنا حيال العالم ..