الأربعاء 20-03-2019
الوكيل الاخباري



روني شار: سيرةُ قصيدةٍ

 



الوكيل الاخباري - الوكيل - مادلين ترعى الليلتناولت عشائي في ضيافة صديقي الفنان جان فييري. تجاوزت الساعة الحادية عشرة حينما كان الميترو يقلني إلى مقر سكناي. غيرت القطار عند محطة طروكاديرو. مأخوذ ببعض الخدر اللذيذ، أنصت بلامبلاة لرجع خطواتي موقعة في ممر العربات، عندما صدمتني على حين غرة، امرأة شابة قادمة من الجهة المقابلة، بعدما تفرست على ما يبدو في وجهي طويلا. بادرتني بآخر ما يمكن توقعه من الأسئلة: ‘ألا يحمل السيدمعه ورقة رسائل؟’. جوابي بالنفي، ودون شك على إثر لهجتي المرحة أضافت: ‘هل بدا طلبي غريبا؟’ أجبت بأني لم أقصد ذلك بكل تأكيد..قالت بنبرة يملؤها الأسف: ‘ومع ذلك!’. كانت هزيلة جدا وشاحبة، كانت عيناها أكثر اتقادا. مشيتها المختالة تشي بمهن سيئة السمعة كتلك التي امتهن. التمست لهذا الخيال المنفِّر بعض الجمال، ولكن عبثا. مؤكدٌ أن الوجه البيضوي، الجبين، وعلى الأخص النظر، لابد وأن يثيروا الانتباه بل والإزعاج. وهذا ما يمنحهم القدرة على الاقتحام. لم أعد منشغلا بشيء قدر انشغالي بإنهاء هذه الرفقة. بمجرد وصولي أمام قطار سان كلود لم أتردد لحظة بالقفز داخله. بيد أن المرأة انطلقت في أثري. وسعت الخطى داخل العربة بهدف الإفلات منها. ولكن هيهات! عند محطة ميشيل أنج مولِتور عجلت بالنزول. لكن ما لبثت الخطوة الخفيفة أن تعقبتني ولحقت بي. اكتسى صوتها بنبرة مختلفة قريبة من التوسل لكن دون انكسار. وبكلمات هادئة، أوضحت بأن الأمور ينبغي أن تنتهي عند هذا الحد. حينها قالت: ‘لقد أسأت فهمي، قطعا! لست كما تظن’. بدأت أجواء الليل تغمرنا وتلطف من تلك الوقاحة: ‘هل تصورت أني أبحث عن المغامرات الغرامية، لمجرد أنك رأيتني أتسكع في ردهات محطة خالية ويفر الخلق منها بأنفسهم؟’ أين تقطنين؟ – بعيدا عن هنا. في مكان لا تعرفه’. قفزت إلى ذهني أصداء البحث عن الأسرار إبان مرحلة اكتشافي للحياة والشعر، وقد هيجتني محاولة طرد هذه الأصداء. ‘خلافا لما مضى، لم يعد يستهويني أن أجري في أثر المستحيل (كنت أكذب) لقد رأيت كثيرين يتألمون.. (أية بذاءة هذه!).’ وكان ردها: ‘الإيمان مجددا لن ينتج عنه بالضرورة مزيد من الألم. ليظل صدرك رحبا، ولن تلقى حتفك جراء ذلك.’ وافتر ثغرها عن ابتسامة: ‘ كم هو رطب هذا الليل!’ كان ذلك إحساسي أيضا. شارع بوالو بطابعه الريفي كالمعتاد والذي يبعث الطمأنينة في النفس، تكسوه طبقة جليدية بيضاء، بينما لا تبرق النجوم في السماء. أراقب المرأة الشابة بنظرة جانبية: ‘ما اسمك يا صغيرتي؟’ مادلين. اعترف أن اسمها لم يفاجئني. فلقد انتهيت عصر اليوم من كتابة قصيدة ‘مادلين بجوار سراج الليل’. استوحيتها من لوحة جورج دو لاتور التي تظل تحتفظ براهنيتها. وهي القصيدة التي تطلبت مني جهدا كبيرا. فكيف لا أرى في هذه المرأة العابرة تحققا تاما لها؟ لقد عشت نفس التجربة مع قصيدتين مختلفتين وتطلبتا مني جهدا إضافيا. إني لا أجد صعوبة تحول دون إقناع نفسي بذلك. ويكمن السبب في أن ولوج طبقة عميقة من أغوار النفس يحتاج إلى فيض ورؤية ثاقبين للتمكن من كشف مكنونات الذات، وهو ما يتناسب مع ما يطفو إلى السطح من الواقع الكبير. وإذا حدث وأدركنا تلك الأغوار فلن يكون لنا إلا أن نشكر الوحي. وهذا في اعتقادي ما لا نعجز عن تأكيده. لست الوحيد الذي يحظى بمثل هذه التجارب الخاصة. ‘مادلين، لقد تحليت بكثير من الصبر وكنت في غاية اللطف. لننطلق إن شئت، سويا’. رحنا نمشي في توافق روحي تام. أخذت ذراع المرأة الشابة وتحققت من هذه الانطباعات التي يثيرها الإحساس بالنحافة. لكن هذه الانطباعات ما فتئت أن اختفت تاركة وراءها إحساسا قويا بالوحدة، وفي الوقت نفسه أقصى وأكمل إشارات الحب. وهو نفس الإحساس الذي انتابني عندما انتهيت من كتابة قصيدتي. عند منتصف الليل وثلاثين دقيقة، في شارع فرساي كان ضوء مترو جافيل الشاحب يصعد من عمق الأرض. ‘سأودعك هنا’، لم أصدق، بيد أن الجسد النحيف تخلص من ذراعي: ‘لتقبِّلني، كي أذهب وقلبي مفعم بالسعادة’ أخذت رأسها بين راحتي وقبلتها بين عينيها وفوق شعرها. لقد غادرت مادلين، وأخذت تتوارى أسفل درجات المترو حيث تنفتح أبوابه وبعد لحظات تكون مستعدة للانطلاق.أقسم أن كل هذه الأحداث وقعت بالفعل وأني عشتها ليس بدون حب كما يتبادر إلى الذهن من خلال أسلوبي في الحكي، في هذه الليلة من يناير.إن الواقع الأصيل لا تحتجب عمن يحفظ له الود حين مصادفته، هذا خلافا لمن يقلل من شأنه أو يسعى إلى احتجازه. وذلك هو الشرط الوحيد الذي لا نكون مؤهلين في أغلب الأحيان للقيام به.مادلين بجوار سراج الليل(**)أتطلعُ اليومَ إلى أن يتَّشحَ العُشب بالبياض حتى أمْحُو عنكِ المظهرَ الذي يُبرزُكِ في قَبْضَةِ الوجع: أنا لا أنظرُ إلى هذِه الهيأة الصَّلبَة غير المعزولةِ عنِ الموت، والموجودة تحتَ يدكِ الفَتِية. أَقَدِّرُ أنَّ يوما سَيأتِي، سَيَنْزَعُ فيهِ عنكِ آخرون، أقلّ تعطُّشا منِّي، قميصَكِ الْحَرير، وسيَنْقَضُّونَ علَى مَضْجَعِك. وإذْ يُغادِرون سيُغْفِلُونَ إطفاءَ سِراجَ اللَّيْل، ويكونُ القليلُ منَ الزَّيْتِ كافياً لِأَنْ يُدَمِّرَ بِخِنْجَرِ اللَّهَبِ بِذْرتَهُم المُسْتَحيلَة.شاعر ومترجم من المغرب(*)- من كتاب: البحث عن القمة والقاعدة، غاليمار، طبعة 1971، ص 47-50 (**) من مجموعة: الصخب والأحجية، غاليمار ، طبعة 1967، ص 215