الخميس 21-03-2019
الوكيل الاخباري



كتاب ‘حداثة الأسلاف’… وترويض الجغرافيا

 



الوكيل الاخباري - الوكيل - حداثة الأسلاف (إضاءات من الشعر العُماني القديم)، الصادر عن مجلة نزوى (كتاب نزوى) يدشن الشاعر والأكاديمي العماني هلال الحجري رؤية جديدة لاستقراء الشعر العماني القديم.إذ ينخل ذلك الكم الغزير والمتراكم من منظوم الكلام وينتقي منه الشعر المجبول بالفن والمشغول بروح الإبداع. وقد عضد الحجري كتابه بتمهيد أوضح فيه مقاصده من التأليف وشرح نظرته إلى الشعر وبيّن الآلية التي اعتمدها في وضع الكتاب. تبع التمهيد مقدمة عنوانها: حداثة الأسلاف واختراق التابو، أورد فيها المؤلف خصائص الشعر اللامع وتجاوزاته المبدعة وجفوله عن قيود التقاليد ومراسيم الأخلاق، مؤيدا ذلك بمواقف نقدية وأمثلة من الشعر العربي عامة والعماني القديم خاصة. تكمن أهمية كتاب حداثة الأسلاف في أنه يضيء للقارئ العماني جزءا عميقا من تراثه الشعري، تراث أنجزه شعراء عاشوا على هذه الأرض وتفاعلوا فكريا مع بيئتها ومجريات حياتها وأنتجوا فنا يضارع فنون زمنهم. وحداثة الأسلاف يحيلنا إلى لعبة الزمن وطبيعة فخاخه. فالحداثة هي اختراق للزمن وتجاوز دائب لمواثيقه الموضوعة، إلا أن الحداثة أيضا ممهورة بروح الحياة، وما اختراقاتها وتجاوزاتها إلا انصياع لنداء الحياة الذي لا يقاوم ساعة يُسمع. وللقارئ العربي يقدم الكتاب صفحات عمانية تنضح شعرا وتحيل إلى تصور جديد لديوان العرب. فبعد أن كان الكلام عن الشعر العماني رهين سياجه المحلي ولا يتجاوز سجالات فقهية، أو أنه يقف على أطراف الألسن عند الخاصة ولدى دوائر ضيقة من البحّاثة، أو يمر على الأذهان مرور الغمام المسافر، أصبح له دليل يجمع بين دفتيه قيم شعرية وفنية وفكرية طويلة. وتشمل إضاءات الكتاب حال المجتمع العماني القديم بانفتاح وعيه إلى الفن وترحيبه لشطحاته واختراقاته للتابوهات التي تضرب أطنابها اليوم في المجتمع، من أعلاه إلى أدناه. يقول الحجري في مقدمة كتابه: ‘والعجيب في الأمر أن المجتمع العماني القديم يبدو أنه كان متحررا من سلطة التابو وشراسته؛ لأن الشعراء الذين تناولوا بعض المواضيع المحرمة لم يكونوا صعاليك أو شذاذ آفاق، وإنما كانوا أصحاب مكانة دينية وعلمية واجتماعية مرموقة’.بالإضافة إلى قيمة المادة المؤلِفة لكتاب حداثة الأسلاف، يوّسع الكتاب رؤيتنا إلى التاريخ العماني ويمنحنا مشروعية مساءلة بعض الآراء والتأويلات التي ما فتئت تقتحم ساحات النقاش، أو تزج بنفسها زجا ما أن يأتي ذكر التاريخ العماني. وربما تكون مسألة العزلة والانكفاء التي وسمت النظرة إلى عُمان وأسست ما يشبه قاعدة علمية وتاريخية للتعاطي مع هذا البلد، هي من أكثر الأمور إغراء للمساءلة والتأمل. فنحن إن أزحنا جانبا النأي الجغرافي الذي طبع صورة عمان والملامح الوعرة لبيئتها والصيت القصي لاسمها وسمتها، وهو ما تردد في أشعار القدامى في بعض قولهم عن عُمان كقول جرير في هجائه لقوم يقتفون أثر الموائد ويطلبونها أينما كانت: لو يسمعون بأكلة أو شربةٍبعُمانَ أصبح جمعهم بعُمانِ.فلو طرحنا تلك الصورة الجغرافية جانبا وأنعمنا النظر في أحوال المجتمع العماني القديم لطالعتنا صورٌ جمة تقف على النقيض تماما من معاني العزلة وتخالف سمات الانكفاء. وحتى لا نبتعد عن أجواء كتاب حداثة الأسلاف، سنظل في جادة الشعر وحدها (علما بأن الأسلاف في عمان قد طال إبداعهم أقانيم السياسة والاقتصاد والعمران وغيرها من مكونات الحياة المدنية.. تماما كما هو خليق بشعب استدل على أرومة الحياة وقرر الانتماء إليها). فالشعراء الذين اختارهم المؤلف لكتابه، يشكلون بعددهم وباختلاف الفترات التي عاشوا فيها (تمتد من الألفية الثانية قبل الإسلام وحتى القرن العشرين)، يشكلون رافدا للشعر العربي من الصعب التغاضي عنه أو عدم الإحساس به. أما القصائد التي اصطفاها الحجري لكوكبة شعرائه، فهي من جمال الصنعة وفرادة الإيقاع وبذخ المعاني ما يصنع قوسا ويؤلف رابطا بين موسيقى الشعر العماني وبين أوركسترا الشعر العربي الكلاسيكي في عواصمه: الشام وبغداد والأندلس.وعن أحوال شعرائنا فإن منزلتهم في المجتمع ورسوخ عقيدتهم الدينية لم تكن لتناقض معتنقهم الفني، الأمر الذي قد يسفر عن غموض لو نحن أدرجناه في مفاهيم الحاضر. فاللهو والخمر والتشبب بالمعشوقة وما سوى ذلك من الملذات الحسية التي ارتعشت في وجدانياتهم والتمعت في أشعارهم إنما جاءت ضمن سياق تاريخي مختلف ونشأت في مجتمع ‘متحرر من سلطة التابو وشراسته’ ولم تخذله القوة والإرادة والخيال لاستنباط طرائقه التي يرتضي بها ويطمئن إليها في الحياة الدنيا. ولم يكن حال المجتمع والإنتليجنسيا العمانية بشاذ عن المجتمعات العربية قاطبة، ولنا في كتاب طوق الحمامة مثال ساطع، فهذا الكتاب الذي يعد أعظم ما قرأته العرب في الحب ومظاهره وأسبابه صادر عن الإمام البحر ذي الفنون والمعارف فقيه قرطبة علي بن حزم.وبموجب هذا السياق الحضري فإن الجغرافيا، ومهما شطت في قسوتها وتفننت في وعورتها، تستكين لجموح الروح وتذلل جناحيها أمام الإبداع، في حين أن ذبول الروح وسقم الخيال هما من يصنعان العزلة والانطواء ويرفعان أسوارهما.*كاتب عماني