الثلاثاء 20-11-2018
الوكيل الاخباري



اعود او لا اعود



علاء هلسه - منذ فترة سافرت الى اوروبا باحثا عن رزق شح في بلدي، وخبرة تميزني، وعلم يزيدني كفاءة ومقدرة لكي اصنع مستقبلاً مشرقاً لي ولمن احب. ما زلت اذكر بوضوح اخر ليلة لي في بيتي في عمان، واذكر الطريق المؤلم الى المطار في صباح اليوم التالي حيث بكيت بحرقة وانهمرت دموعي بغزارة، شريط ذكرياتي مر في مخيلتي والحزن يخيم على كل ذرة فيّ. ودعت اهلي في المطار، ومضيت في طريقي، تاركاً ورائي وطني واهلي واصدقائي، ومسلحاً بذكرياتي واملي في العودة يوما ما. مر الزمن بطيئا في البداية، ولكنه سرعان ما غافلني وانطلق بسرعة البرق لارى نفسي الان بعد خمس سنوات انسان بلا هدف، بلا وطن، بهوية مشوهة وقيم هجينة . اشعر بالحنين في غربتي وبالغربة في وطني. يراودني سؤال عسير ارقني، سؤال كم اتمنى اجد اجابته، سؤال وما اصعبه من سؤال: اعود او لا اعود؟ لماذا اعود يا هل ترى؟؟ أاعود لكي ارجع الى حياتي الماضية التي احن اليها في غربتي؟ ولكن هذه الحياة قد تلاشت... اصدقائي ترك جلهم الوطن، لنفس الاسباب التي تركته من اجلها: جميل ومأمون في الامارات، سائد وفيصل وصائب في امريكا فادي في المانيا ليث ورزق في كندا وغيرهم الكثير. حتى من بقا منهم فهم غارقون في اعمالهم، يلهثون ليل نهار لتأمين لقمة عيشهم، ومن تسنح له فرصة السفر لا يفوتها وحين التقيهم، اعني من بقي منهم في الاردن، ارى في عيونهم هما، اظنهم لا يشعرون به، هما خبيثا تسلل الى حياتهم رويدا رويدا... أاعود لكي انعم بالامن والامان في بلدي الذي طالما تغنينا به طيلة عقود مرت؟ ولكن هذه الميزة ايضا في طريقها للتلاشي... اقرأ وبشكل يومي اخبار الاردن، واصدم للكم الهائل من العنف الذي يمزق مجتمعنا، المشاجرات العشائرية اضحت جزئا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ولم تقف عند هذا الحد وحسب، بل تطورت الى مشاجرات مسلحة في داخل الجامعات، منبع بناة المستقبل، وصناع الحياة!! وللاسف وصل العنف الى البرلمان الذي من المفترض ان يجمع تحت قبته صفوة الصفوة، وخيرة رجالات البلد، فرأينا نائب اشبه بثور هائج - مع خالص اعتذاري للثور طبعا - ينطح بكل همجية وتخلف كل من يخالفه الراي. في كافة المجتمعات الجريمة موجودة، لكنها تكون في الغالب حالات فردية من اشخاص خارجين عن القانون مكانهم الطبيعي هو السجن، لكن العنف والخروج عن القانون في مجتمعنا اصبح ظاهرة، ايعقل ان يكون مكان المجتمع بأسره في السجن؟ أاعود لكي اعمل واكد واعرق في بلدي لاستفيد من خيراتها؟ ولكن خيرات بلدي الشحيحة اضحت فريسة لذئاب مترفة جشعة، التهمو بوحشية ما تبقى من قوت الشعب، ولسد الفراغ ترفع الحكومة تارة الضرائب، وتارة اخرى المحروقات والكهرباء والمواطن المسكين يدفع الثمن بلا كلل او ملل... التعليم والتامين الصحي والضمان الاجتماعي وغيرها من اساسيات الحياة اصبحت في وطني كماليات بينما هي حقوق مكتسبة في اي بلد يحترم مواطنيه. أاعود لاعيش في الفضاء العربي الذي احن اليه كل صباح ومساء؟ ولكن الاردن الان ما هو الى بؤرة معزولة عن كل ما حولها! في اوروبا على سبيل المثال يستغل بعض المواطنين اي عطلة للسفر الى البلاد المجاورة، فيستأجرون "كرفان" ويسافرون بسيارتهم لقضاء اجازة لا تكلفه سوى ثمن الوقود، بدون ان يقفوا على اي نقط حدودية، وبدون ان ينتظروا في طوابير طويلة مرهقة لاستصدار التاشيرات. اذكر درس الاجتماعيات في احد الصفوف الاولى حين كنا نحفظ: يحد الاردن من الشمال سوريا ومن الجنوب السعودية ومن الشرق العراق ومن الغرب فلسطين المحتلة، وحين افكر جليا في ذلك اصاب بالاحباط، فكل تلك الوجهات موصدة في وجه كل من يرغب بالترويح عن نفسه، الشعب بأكمله اسير في سجن كبير! وبالرغم من كل ما تقدم، يخوض عقلي معركة خاسرة مع حنيني، عقلي ما زال صامدا لغاية الان، ولكن الى متى؟؟ احن الى كل شيء في بلدي، اشتاق الى موظف الجوازات في المطار، اشتاق الى مضيفين ومضيفات الملكية الاردنية -الاردنين منهم طبعا-، اشتاق الى لوحات المركبات وعليها اسم الاردن، اشتاق الى هواء بلدي، اشتاق الى رائحة الياسمين في الويبدة وجبل الحسين، اشتاق الى عبق الماضي في جبل عمان، والى البساطة والجمال في وسط البلد، اشتاق الى سائقي التاكسي وقصصهم التي لا تنتهي، اشتاق الى الفلافل والحمص والفول والشاورما، اشتاق الى صوت اذان المغرب ممزوجا بنسمة صيفية منعشة، اشتاق الى جمعة العائلة في ايام الثلوج حول المدفأة ورائحة الكستنا والخبز المحمص تملأ المكان، والقائمة تطول وتطول وتطول... ااعود او لا اعود.