الأربعاء 19-12-2018
الوكيل الاخباري



الأسد «الإنسان»



والقصة بدأت أمام جمهور غفير من المشاهدين في السيرك حينما استدار محمد الحلو ليتلقى تصفيق النظارة بعد نمرة ناجحة مع الأسد ( سلطان) .. وفي لحظة خاطفة قفز الأسد على كتفه من الخلف وأنشب مخالبه وأسنانه في ظهره!..وسقط المدرّب على الأرض ينزف دماً ومن فوقه الأسد الهائج.. واندفع الجمهور والحرّاس يحملون الكراسي، وهجم ابن الحلو على الأسد بقضيب من حديد وتمكن أن يخلصأباه، ولكن.. بعد فوات الأوان، ومات الأب في المستشفى بعد ذلك بأيام، أما الأسد سلطان فقد انطوى على نفسه في حالة اكتئاب ورفض الطعام، وقرر مدير السيرك نقله إلى حديقة الحيوان باعتباره أسداً شرساً لا يصلح للتدريب، وفي حديقة الحيوان استمر سلطان بإضرابه عن الطعام فقدموا له أنثى لتسري عنه فضربها في قسوة!...وطردها وعاود انطواءه وعزلته واكتئابه، وأخيراً انتابته حالة جنون، فراح يعضّ جسده وهوى على ذيله بأسنانه فقصمه نصفين!.. ثم راح يعضّ ذراعه، الذراع نفسها التي اغتال بها مدرّبه، وراح يأكل منها في وحشية، وظل يأكل من لحمها حتى نزف ومات، واضعاً بذلك خاتمة لقصة ندم من نوع فريد.. ندم حيوان أعجم وملك نبيل من ملوك الغاب عرف معنىالــوفـــــاء وأصاب منهحظاً لا يصيبه الآدميون، أسدٌ قاتل أكل يديه الآثمتين، درسٌ بليغ يعطيه حيوان للمسوخ البشرية التي تأكل شعوباً وتقتل ملايين ببرود على الموائد الدبلوماسية وهي تقرع الكؤوس وتتبادل النخب ثم تتخاصر في ضوء الأباجورات الحالمة وترقص على همس الموسيقى وترشف القبلات في سعادة وكأنه لا شيء حدث.إنني أنحني احتراماً لذلك الأسد الإنسان، بل أظلمه وأسبّه حين أصفه بالإنسانية، كانت آخر كلمة قالها ( الحلو ) وهو يموت ... «أوصيكوا ما حدش يقتل سلطان.. وصية أمانة ما حدش يقتله»لا أدري كيف حطت هذه الرسالة في بريدي، أحدهم بلغ به الانفعال حدا استل هذه السطور من كتاب المرحوم مصطفى محمود «رأيت الله» فبعث بها لي أمس، ولم أجد بدا من إعادة نشرها، لعل فيها ما يشعر مسوخ البشر ببعض «الحيوانية» النبيلة، ولا اقول الإنسانية المتوحشة!بالمناسبة، أودع أصدقائي القراء بهذه القصة البليغة، فمنذ سنوات طويلة جدا لم أغب عن هذا المنبر طواعية، أستميحكم عذرا في إجازة لأسبوع، لعلي أستعيد بعضا من توازن ربما افتقدناه جميعا، فإلى لقاء!