الثلاثاء 23-04-2019
الوكيل الاخباري



الاقتصاد والثورات الجديدة



 كان الاقتصاد على مر التاریخ سببا رئیسا للثورات الكبرى والصغرى في مختلف المجتمعات، وعلى وقع معاناة الجوعى رسمت خرائط الاحتجاجات والتي لطالما دشنت سردیات مؤثرة وربما ملھمة، یبقى الاقتصاد ھو الاب الشرعي للسیاسة والمحرك الاول للشعوب، ولكن قوة وشكل الاقتصاد المؤثر في صیاغة التغییر الاجتماعي والسیاسي تغیرت كثیرا، ولعل الدروس الاكثر وضوحا في ھذا المجال تأتي ھذه المرة من المنطقة العربیة، یبدو ذلك في الطریقة التي باتت تدار بھا الاحتجاجات وآلیة تغییر النظم على مدى ثلاث موجات من التحولات وآخرھا ما حدث في الجزائر والسودان.


 لقد نمت في العقود الثلاثة الاخیرة انماط من الریع الاقتصادي – السیاسي الذي دشن ولاءات سیاسیة ھشة، على بنى اقتصادیة زائفة وغیر موجودة في الاصل، ولطالما حاولت الكثیر من النظم ان تجد بدائل للریع التقلیدي، ولكن بدل ان تبني قواعد للانتاج وتعید تشكیل المجتمع والسیاسة على الانتاج اعادة بناء ریعیة جدیدة بالمفھوم الاقتصادي ورعویة اخرى بالمفھوم السیاسي الاجتماعي.


ان الرعویة الجدیدة تصر على الاستمرار بالعلاقات الریعیة اقتصادیا سواء مع الخارج او مع مجتمعھا لأن احد ابرز اركان استمرار علاقات التبعیة الرعویة یتمثل في استمرار الاعتماد الاقتصادي على حساب بناء قدرات انتاجیة محلیة، وعلى الرغم من ان حاكمیة الرعویات الجدیدة اكثر مرونة من السابق وتلبس احیانا لبوسا لیبرالیا واحیانا تبدو انھا تسعى نحو الاقتصاد الاجتماعي الا انھا تقدم مفھوم الولاء على مفاھیم الانتماء والصالح العام، بمعنى ان ادوات الرعایة تستمر وتتجسد اكثر في الوقت الذي تتراجع عملیا ادوات الریع بمفاھیمھ الاقتصادیة والاجتماعیة بمعنى ان النظام السیاسي ملتزم بتقدیم رعایة ولكن بدون ریع یستمر ھذا على وقع التحولات السیاسیة وتقلبات الاسواق والزیادة السكانیة وتفاقم ازمة المجتمعات الاستھلاكیة.


المھم ان ازمة ھذا النمط تزداد في استمرار تغیر ادوات الریع اي تراجعھا احیانا وصول لافلاسھا في بعض النماذج مقابل استمرار وتصاعد ادوات الھیمنة الخارجیة والعلاقات الرعویة الداخلیة، والاكثر خطورة حینما تلجأ بعض النظم الى تعویض الخسائر في استخدام الریع بالمزید من الضغط على ادواتھا الرعویة، وحینما تصل الدول الى ھذه المرحلة فإنھا تكون على بدایة الدخول في ازمات التغییر الشامل التي تبدأ على شكل احتجاجات وفوضى.


وباستعراض سلوك انظمة عدیدة في الشرق الاوسط تشھد ھذه الازمات یلاحظ كیف تزداد قوة العلاقات الرعویة وسط إفلاس الریع التقلیدي، وكیف یتم خلق ھندسة اجتماعیة جدیدة مثل اعادة اختراع الآخر في الداخل، یبدو ابرز ملامح ھذه الحالة في خسائر الثقافة السیاسیة اي التراجع الكبیر في قدرة المجتمعات على المساءلة العامة او قدرة الافراد والاطر المؤسسیة المجتمعیة ووسائل الإعلام على مراقبة اداء السلطات وفي المقدمة الحكومات، في الوقت الذي یزداد فیھ الصراخ والاصوات المرتفعة التي تعبر عن لغة احتجاجیة غیر منظمة وغیر واضحة المضامین یرافقھا خطابات غیر مقنعة ومملوءة بالمعلومات الخاطئة والاكاذیب التي یسھل نفیھا، الى جانب ظاھرة اخرى في تصعید رموز غیر مقنعین، كل ھذا التحولات تحمل مؤشرات الى این وصلت الازمة من جھة وتدل على نمط الصراعات القادمة.