الأحد 05-07-2020
الوكيل الاخباري



الرأسمالية تتهاوى .. ماذا بعد؟




في جميع الحالات والمراحل التي شهد العالم فيها تحولا كان الفلاسفة وأهل الفكر والحكمة حاضرين يصيغون النظريات ويفسرون التحول ويضعون التجربة الإنسانية في أطر مقنعة يمكن بناؤها وتفكيكها ومراجعتها ونقدها واستخدامها لفهم ما يجري على الأرض فهي توحّد رؤى ومفاهيم وتصورات الجميع وتحدد نوعية العلاقات التي تنشأ وتتطور داخل هذه النظم.

الديانات جميعا قدمت لمعتنقيها تصورا عن الوجود وأسبابه وفسرت لهم معنى ورسالة الحياة ووضعت أمامهم إجابات مطمئنة لأسئلتهم المتعلقة من أين جئنا؟ ولماذا ننجح أو نفشل؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟. وكما في الديانات شرح كونفوشيوس لشعبه معنى وفلسفة الحياة وقيمة ودور الإنسان وطبيعة القيم والاتجاهات التي ينبغي أن تسود. في المسارات الحضارية الأخرى عمل فلاسفة الإغريق على بناء العقل وترسيخ مبادئ مهمة تحكم العلاقات وتنظم المجتمع حسب تصورات الوجود والدور الإنساني والقيم والأخلاق والسياسة وغيرها من المعطيات كالفضيلة والكمال والرذيلة وغيرها.

كما فعل سقراط وأفلاطون وأرسطو في الغرب القديم، أسهم بوذا وحمورابي والديانات التوحيدية وغير التوحيدية في إيجاد تراث فلسفي وروحي ومعرفي يساعد الناس على امتلاك روايات متعددة لكنها غير متعارضة عن الإنسان والكون والظواهر ومفاهيم الخير والفضيلة والشر والعدالة وغيرها.

المشكلة أن كثيرا من الفلسفات والقيم والأفكار التي ولدت في زمن البحث عن الفضيلة والعدل والحق والخير والكمال أصبحت أدوات يجري ليّها وتطويعها لخدمة الفئات والطبقات الطامعة في السيطرة والاستحواذ على الموارد ووضع القيود على استخدامها والانتفاع بها بما يعزز سلطة ونفوذ وهيمنة هذه الطبقات. في أجواء الهيمنة والاستقطاب ظهرت فلسفات تبريرية تحمل روحا وأفكارا استعمارية إقصائية تقدم افتراضات جديدة عن الإنسان والفضيلة والعمل والملكية والجنس البشري والسلطة والحرية والحق والعدل وغيرها. الكثير من هذه المفاهيم والأفكار مهدت لحدوث الانقسام وتعزيز روح التمييز والعنصرية وأدت إلى تبرير العبودية والاحتكار وسيادة رأس المال والاستعمار للشعوب والطبقات الأخرى.

التكنولوجيا والعلم والأنظمة المالية والبنوك والتجارة الدولية والشركات الكبرى والقوى والأحلاف العسكرية كانت أدوات مهمة في تثبيت هذا النفوذ وتحصينه من أي تحديات تؤدي إلى تقويضه. من آدم سميث إلى داروين ومن صموئيل هنتنجتون إلى فوكو ياما عمل الجميع على بناء علاقات وصور متخيلة للصدام الذي ينبغي أن يبقى حيا ولو من الناحية الفكرية لكي يحافظ النظام الرأسمالي وقواه على هيمنتهم ويحولون دون أي محاولات لتحدي هذا النظام.
اليوم وللمرة الأولى في التاريخ الحديث تكشف الكورونا أحد أوجه عجز النظام الرأسمالي وتقوم بتعرية هذا الهيلمان الكاذب القائم على الاستغلال والاحتكار والتخويف والتلاعب بالموارد العالمية وتوظيف دكتاتوريات البلدان الفقيرة والتلاعب بقياداتها ووضعهم في خدمة هذا النظام العالمي البائس البغيض.

الأنظمة السياسية التي أوهمت العالم بقوتها وبطشها وجبروتها تقف عاجزة عن مواجهة الوباء. في جميع معاقل الرأسمالية من الولايات المتحدة إلى أوروبا يزداد الخوف يوما بعد يوم فالمعرفة التي اعتقدت هذه الدول أنها تملكها أصبحت غير مجدية في تفكيك لغز الخطر الوبائي الذي لا يزال يفتك بشعوبها.

والغضب الشعبي يتفجر من مينابولس إلى ديترويت ومن واشنطن إلى لندن في ظاهرة تعبر عن رفض الشعوب للنظم التمييزية التي خلقها النظام الرأسمالي وسمح بهيمنة واستحواذ نسبة ضئيلة من المتنفذين على موارد وامتيازات هائلة برعاية من المؤسسات الرسمية والسياسيين ممن دخلوا في علاقات مصلحية مع هذه الطبقة على حساب حقوق الأمة.

ما لم يحدث تغيير جوهري في بنية النظام الرأسمالي والمؤسسات الداعمة والمعززة لاستمراره فإن الثورات المستعرة في الولايات المتحدة وأوروبا ستمتد وبسرعة غير متوقعة إلى أجزاء أخرى من العالم. في هذه الظروف يبدو أن البشرية تعيش تمرين البحث عن نظريات وأطر وتطبيقات أكثر إنسانية وعدالة وأقل توحشا واستغلالا من النظرية القائمة.

في مشهد اليوم يغيب المنظرون والحكماء ويسود منطق القوة والارتجال ومحاولات فرض الإرادة المتغطرسة.