الوكيل الإخبارى

 
 
الأربعاء 19-09-2018
07:18 م بتوقيت عمّان
الوكيل الإخبارى

النية ع العكوب

مع أول لثغات الربيع، سيعجبنا أن نسمي أمنا الأرض باسم آخر، هو (البطين)، أو البرية؛ فجبالنا المخضبة بالبركة لا تملأ عيوننا وأنفاسنا دحنوناً وإقحواناً وسوسنة سوداء، وعبقاً فقط، بل ستطعمنا من خيراتها وعطاياها ونباتاتها. ولهذا لن أكون مع صرخة أحدهم حين طلب متذمراً من زوجته أن تربطه بالحاكورة، بدل أن تطبخ له كل يوم (خبيزة)، بل سأقول: دعونا ننطلق للأرض ونقتنص مطبخها الأخضر. فسلام عليك يا أمنا الطيبة، يا العامرة!.الإنسان بدأ حياته جامع نباتات وثمار، ولهذا تجد في طبيعتنا وجيناتنا ميلاً تلقائياً نحو الرتع في خيرات الطبيعية، وهذه المهمة اللذيذة تسمى (التبقيل)، وأسر كثيرة في بوادينا وأريافنا ما زالت تعتاش على هذه العطايا خلال الموسم، وحتى السواح من سكان المدن، إذا ما خرجوا في نزهة، يتركون مشاويهم، ويتحولون عن طيب حب وخاطر إلى هذا الرتع العميم.الجمعة الماضية خرج الأردنيون إلى قلب الربيع متعطشين للاخضر، وانتشروا في الارجاء، وفي عجلون تحديداً كان خيط السيارات لا ينقطع، وأدهشني أن البعض، وقبل أن يعمروا مناقل فحمهم وشوائهم، كانوا يهيمون بين الخضرة، ويتعربشون خواصر الجبال، وينهمكون في البحث عن شيء يؤكل.وعلى مشهد الصبايا اليانعات كنوار كرز مشموس، سيأخذني لحن لشبابة يترنم بها واحد من الرعاة القريبين، كان همس اللحن يتغلغل شغاف القلب، وكان في بالي أن أرد على لحنه غناء، غير أن آخر سبقني ورندح بصوته:(غربن تغريب النية ع العكوب، وكلهن صبايا ويشلعن القلوب!).في البطين أيها الأصدقاء، القليل من التعب يساوي كثيراً من أصابع (الجلتون)، و(الفصّة) ودوائر( الدُريهمة) وعروق (الحميميصة) حريفيَّة المذاق، الممزوجة بلذعة لذيذة، وعبق الكزبرة بكرياتها الصغيرة، وشماريخ (الخُرفيش)، وورق (الرجف)، الذي يلف بالأرز واللحم كورق العنب!، غير أن (العكُّوب) سيبقى سيد البقل وعمدة أنواعها، وهو نبات شوكي له جذور فلينية، تأخذ شكل الكعب ( ولهذا يسمى كعوب أيضاً)، وهو ثريٌّ بالحديد‍‍، ولهذا تظهر عليه علامات التأكسد بعد أن يجرح بالسكين!.في منطقة (البدية)، من أراضي كفرنجة. وقفنا قرب امراة سائحة بعمر أمي، كانت منهمكة بالتبقيل والتراويد الخافتة، ولكي نجد مفتاحاً للكلام، قلنا: يا راعية الخير، هذا العكوب لا ينظف بالسكين، فضحكت قائلة: كأنك تريد أن تذكرني بتلك التي سكنت المدينة بعد القرية، وحين زيارتها لأهلها، أدهشها العكوب، فاستفسرت بدلع عن كيفية تنظيفه من شوكه: بالإبرة أم بالملقط؟!.فأهلاً بربيعك الطيب أيتها الأرض/ الأم.

 


ad