الأربعاء 21-11-2018
الوكيل الاخباري



دفاعا عن أمننا الديني أيضا .. !



كنت قد دعوت في هذه الزاوية عشرات المرات الى ضرورة اصلاح مجالنا الديني، لم أكن أتصور –بالطبع- ان أصداء هذه الدعوة وغيرها من الدعوات ستصب في الاتجاه الغلط، او ان بعض المتحمسين سيأخذونها كذريعة للإطباق على روح التدين وتأميم خطاب الدين ومؤسساته او –ربما-العبث في فضاءاته العامة.سأشير إلى مسألتين –فقط- تؤكدان ما جرى على هذا الصعيد، احداهما تتعلق “بالخطبة” الموحّدة التي فرضت على الخطباء وتحولت –للأسف-الى موضوع للتندر، أما المسألة الأخرى فهي رفع معدلات القبول في كليات الشريعة الى 80%، ثم فرض مناهج “موحدة” أيضا للتدريس فيها.لكي نفهم ما جرى لا بدّ ان ندرك مسألتين ايضاً، الأولى هي ان مجالنا الديني يعاني من “الفوضى” والارتباك، فنحن لا نعرف خرائطه واتجاهاته ولا نستطيع ضبط الفاعلين فيه، كما أننا لم نحسن التعامل مع علمائنا الموثوق فيهم، فيما انكفـأت مؤسساتنا الدينية الرسمية على نفسها ولم تتمكن من انتاج خطاب يتناسب مع المستجدات التي جرت ومطالب الجمهور التي تغيرت، أما المسألة الأخرى فهي ان المعالجات التي تمت لإصلاح الحال “الديني” جاءت بشكل ارتجالي وغير مدروس، وليس ادل على ذلك من ان المعنين ذهبوا الى رفع معدلات القبول للطلبة في كليات الشريعة رغم اننا نعاني من عزوف الشباب عن هذا التخصص كما ان مساجدنا تعاني من نقص كبير في عدد الائمة والخطباء ومدارسنا تعاني من قلة المتخصصين في تدريس الثقافة الإسلامية.ليس هذا فقط، فبينما كنا نفكر بأن اصلاح المجال الديني يجب ان يبدأ بفصل النشاط الديني عن النشاط السياسي في مساجدنا وعلى المنابر –تحديداً-، تفاجأنا بالخطبة الموحدة التي حولت خطاب “المنابر” الى بيانات سياسية مفروضة، ووجد الخطباء أنفسهم أمام “أوامر” اربكتهم وحولتهم الى مجرد قراء نشرات مكتوبة، كما وجد المصلون ان الخطب التي يقرؤونها قبل أيام لا تستحق ان يذهبوا الى المساجد ليسمعوها مرّة أخرى.الأخطر من ذلك، ان الهدف المفترض من الخطبة الموحدة هو جذب الشباب الى المساجد وتفويت الفرصة على “خطباء” التطرف او الآخرين الذين لا يتقنون “الصنعة” من توظيف المنبر لغايات أخرى، لكن ما حدث كان العكس تماماً، فقد عزف الشباب عن الذهاب للجمعة وأصبح الخطاب المتطرف هو المطلوب بالنسبة لهم، ليس لأنه مقنع وانما لأنه غير مفروض عليهم من أحد، وكأننا بالتالي منحنا “حوزات” التطرف هدايا لم ينتظروها، وسمحنا لهم ان يملؤوا الفراغ الذي اخطأنا في التعامل معه بالشكل الصحيح.في المقابل، كان يفترض أن نتوجه لكليات الشريعة التي تعتبر “المصدر” الأول لتزويد المساجد بالأئمة والخطباء، فنشجع الطلبة على الدخول اليها ونحفزهم بعد التخرج فيها بالحصول على امتيازات أفضل، لكننا –للأسف-أغلقنا أمامهم الأبواب، ومن المتوقع ان يكون مصير هذه الكليات “الاغلاق” أيضا.لفهم المشهد اكثر بالأرقام، لدى وزارة الأوقاف (6323) مسجداً في المملكة لا يوجد فيها الا نحو (2783) اماما ومؤذنا، أي اننا بحاجة الى (3540) اماما وخطيباً، ومن اين سنأتي بهؤلاء اذا لم نوفر ما يلزم من حوافز للطلبة الراغبين بدراسة الشريعة، علماً بأن بعض الائمة والخطباء الموجودين ينقصهم التدريب والتأهيل، كما ان الجهود التي بذلت في هذا المجال، سواء على صعيد ابتعاث الطلبة لدراسة الشريعة او لتعيين الخريجين من خلال ديوان الخدمة المدنية، لم تتحقق أهدافها المطلوبة، نظراً لعدم وجود “جاذبية” لدراسة هذا التخصص او للعمل في هذا المجال.أعرف ان هنالك عشرات الصور والأمثلة التي تؤكد عدم “سلامة” مسارنا الديني، ولكنني لن ادخل في تفاصيلها، لدي –فقط- بعض الاقتراحات، أولها ان نفكر جدياً بإيجاد مظلة مرجعية مستقلة تتولى مسؤولية إدارة الشأن الديني، وثانيها إعادة الاعتبار لدور المسجد والتوقف نهائياً عن “تسييسه” من أي جهة كانت رسمية او غير رسمية، وثالثها إعادة النظر في التعامل مع كليات الشريعة بحيث تكون جاذبة للطلبة المتفوقين، ليس فقط في المجال الاكاديمي وما يحتاجه من تطوير، وانما في مجال ما بعد التخرج بحيث تكون “لمهنة” الإمام حوافز معتبرة ماديا ومعنويا، ويكون للمسجد دور مهم في المجتمع.تبقى كلمة أخيرة، وهي ان مجالنا الديني لا يقل أهمية عن مجالاتنا السياسية والاقتصادية والثقافية، وبالتالي فإن الحفاظ على امنه واستقراره مصلحة عليا للدولة والمجتمع، كما ان محاولات “العبث” به من أي جهة تشكل خطراً داهماً لا يجوز ان نصمت عليه، او ان نتغافل عن مواجهته، أما كيف فهذا يحتاج الى حديث آخر.