الأحد 17-02-2019
الوكيل الاخباري



ربیع الفلاحین





لا توجد ارقام دقیقة حول أعداد صغار المزارعین المطلوبین للتنفیذ القضائي ، وكم حجم من نالھم العفو الاخیر، ولكن المشكلة القائمة في استمرار تدھور احوال عشرات الآلاف من الاسر نتیجة التراجع الحاد الذي شھده ھذا القطاع سواء في الاغوار وفي وادي الأردن وفي المحافظات ذات الطابع الزراعي، فالحاجة الیوم إلى ادوات تكیف جدیدة تأخذ بعین الاعتبار كیفیة استثمار الاجواء السیاسیة الجدیدة وتحدیدا مع الحدود الشمالیة والشرقیة وذلك من خلال سیاسات تكیف على شكل حزمة من الاجراءات التي تدعم تعافي ھذا القطاع واستعادتھ لدوره في وقت سریع .

كان جلالة الملك قد دعا حكومة سابقة في العام 2009 أن تطلق جھودھا لاستعادة القطاع الزراعي واعتبر ذلك العام عاما للزراعة ومحطة انطلاقة في ھذا الاتجاه، نعلم تماما أننا في ذلك الوقت دخلنا في موجة عنف مجتمعي وبعدھا بقلیل دخلنا في زمن الربیع العربي، ولم یسأل احد عن انطلاقة الزراعة وربیع الفلاحین منذ ذلك الوقت ، المبادرة الملكیة حینھا كانت تقرأ جیدا آلیات التحولات الاجتماعیة الاقتصادیة وقصص النجاح في العالم وتدرك تماما أن الزراعة والعودة لقیم الانتاج لا تقل اھمیة عن التحول التكنولوجي ولا عن زراعة الصفوف بالحواسیب .

لا یستغرب أحدكم أن البلاد التي تحتاج الیوم إلى منظور خلاق لاستعادة الناس للأرض؛ ھذه البلاد ذاتھا شھدت میلاد أوائل القرى الزراعیة في العالم ، وعلى ھذه الأرض شید أول سد مائي في التاریخفي جاوا.

وبالقرب من وادي رم ثبت علمیا وجود أقدم مزرعة للزیتون في التاریخ؛ وكل ھذه المفارقات والكلام لا یفید اذا ما وفرنا ارادة سیاسیة متصلة ببرامج خبیرة وواقعیة تعمل بسباق مع الزمن ؛ بعد أن تراجعت الرقعة الزراعیة في الأردن ووصلت إلى اقل من 3 % من مساحة الأردن بمعنى إنھا قد تراجعت 30 % خلال آخر عقدین، وبعد ان أثبتت الأرقام الرسمیة حجم الفجوة والانكشاف في الأمن الغذائي الوطني .

المحصلة ان الزراعة في الأردن قد تحولت نتیجة سلسلة من تراكم السیاسات المتناقضة، وعدم وجود رؤیة واضحة وحكیمة لإدارة الموارد المحدودة إلى مجرد قطاع خدمات وعالة على الاقتصاد والمجتمع، ومجال محدود لاستثمارات احتكاریة تعتمد على العمالة الوافدة؛ بعد أن تم تفریغ ھذا القطاع بالتراكم وعلى مدى ثلاثة عقود مضت من المضمون الاجتماعي في العمل والإنتاج والقیم، وھو الأمر الذي یختتم الیوم بمشھد نھایة الریف الأردني، حیث تم تعریة الأمن الغذائي الأردني على مدى السنوات الماضیة ضمن دراما اجتماعیة واقتصادیة یندر وجود مثیل لھا، ویكفي ان نذكر ان معدل إنتاج الأردن من القمح سنویا یكفي لاستھلاك الأردنیین لمدة ستة أیام فقط.

القطاع الزراعي یحتاج الى سیاسات حمایة ودعم ، والى رؤیة تعید الناس وتحدیدا الشباب الى الارض الى بناء رؤیة وطنیة لقطاع اعمال زراعي یقوم على الاستثمارات الصغیرة یدیرھا الشباب واتاحة الفرصة امامھم للابتكار والریادة في ھذا القطاع وتوفیر الدعم الملائم لھم ، في معظم دول العالم یدعم ھذا القطاع ؛ البقرة في اوروبا تحظى بدعم 5.2 دولار یومیا وفي الیابان تدعم 5.7 دولار یومیا .

إن الأمن الغذائي للمجتمع الأردني مھدد، ویشھد في ھذه الفترة حرجا حقیقیاً وبالغ الخطورة ، في ضوء الحلول الآنیة والتوازنات الھشة التي تدار وفق رؤیة ضیقة لمفھوم اقتصاد السوق ، وبعیداً عن توظیف مسألة الأمن الغذائي في السجال السیاسي الذي لا یتوقف، یجب الانتباه إلى خطورة التوازنات الھشة السائدة الیوم في ملف الأمن الغذائي الأردني.