الخميس 17-01-2019
الوكيل الاخباري



رفض مع سبق الإصرار




كم مواطن أردني حاول الاطلاع على الموازنة العامة للدولة، وكم عدد المعلقین من ناشطین ومؤثرین وإعلامیین قال أو كتب رأیھ بعد أن اطلع بالفعل على قانون الموازنة، وكم من النواب وأعضاء الطبقة السیاسیة دخل في تفاصیل الموازنة؛

 

فبعض من الخطابات البرلمانیة لم تمت بصلة لقانون الموازنة؛ ثمة أوصاف جاھزة وقوالب معدة مسبقا للرفض أو القبول ونشر السلبیة دون أساس متین من المعرفة والبرھان، ینسحب ذلك في المقابل على تقریر ”حالة البلاد“ الذي أصدره قبل أیام المجلس الاقتصادي الاجتماعي وواجھھ البعض بنقد عدمي، كما ینسحب على وثیقة الأولویات الحكومیة لعامي 2019 – 2020 التي أصدرتھا الحكومة قبل أسابیع، صحیح ان وثیقة الموازنة جاءت بآلاف الصفحات وتقریر حالة البلاد أیضا ما یتطلب تبسیط ھذه الوثائق للناس .  


النخب تقود الناس أحیانا إلى العدمیة؛ والكثیرون یرددون ما یقال بدون أدنى رغبة بالدخول بالتفاصیل ولا حتى بالعناوین وھذه ھي طریقة عمل الخوارزمیات التي تحكم مواقع التواصل الاجتماعي.


حینما تحتدم الأزمات یبدو أن كل الناس معنیون بالتفاصیل وھذا أمر طبیعي، ولكن بدون تفاصیل في حقیقة الأمر، حیث تزدحم الآراء وتقل المعلومات، بینما نجد حالة انسحاب باھتة من الاھتمام بالشؤون العامة في أغلب الأوقات، وفي ھذه المفارقة إجابة عن سؤالین أساسیین ھما: لماذا تفشل أشكال المشاركة الشعبیة وتبدو على ھیئة أشكال رثة ولا قیمة لھا في الحیاة العامة؟ ولماذا كل ھذه الفوضى والضجیج في ممارسة المساءلة الشعبیة، ما یجعلھا في كل مرة عاجزة أن تتحول إلى أداة حقیقیة للضغط على السلطات وصناع القرار.


علینا الاعتراف بأنھ رغم كل الضجیج وفوضى الآراء لا یوجد لدینا تقالید الاھتمام بالشأن العام، وھذا ینعكس في أشكال المشاركة والمساءلة، وحتى نؤسس لمجال عام جدید علینا ان نفھم القوى الفاعلة الجدیدة والقدیمة وكیف یعمل كل منھما في ھذه البیئة، وكیف یمكن ان یستثمر المجال العام الجدید بالنعمة المجتمعیة المتمثلة بالشباب من خلال تمكینھم ان یفرضوا اشكالا جدیدة من المشاركة. ثم، ما المطلوب حتى یغیروا القواعد التقلیدیة للمشاركة والمساءلة والتفاعلات ومعنى القوة السیاسیة والمجتمعیة على مختلف المستویات.


في ھذا المجال، لا بد من الانتباه أن ثمة قوى جدیدة باتت قادرة على التأثیر في النقاش العام وأحیانا اختطاف الرأي العام، ھذه القوى لا یمكن تحدیدھا بشكل واضح نظرا لسھولة الوصول للمجال العام عبر أدوات التكنولوجیا المعاصرة، وھذا یحدث في كل العالم، لكن لماذا الأزمة لدینا لھا تعبیرات مختلفة؛ ببساطة لأننا نملك إرثا ثقافیا راكدا من الرفض والشك والریبة غیر المبرر وھذا الإرث یحتاج الى عمل مختلف لتغییره لأنھ لا یربك المشھد وحسب بل یفوت حق المجتمع في مساءلة الحكومات بجدیة.


في نظریة ”دوامة الصمت“ إحدى النظریات التي تفسر تصنیع الرأي العام، تلجأ الأقلیة التي لا تتوافق مع الاتجاه العام السائد في وسائل الإعلام إلى الصمت، خوفا من اضطھاد الأغلبیة، ولا تقوى على المغامرة في التعبیر عن موقفھا خوفا من العزلة والنبذ.


أما في بیئة الإعلام الجدید الذي یفترض أن الناس والمجتمعات ھي التي تدیره، فإن المعادلة تختلف؛ حیث یعمل الناشطون والأفراد الأكثر تأثیرا على خلق اتجاھات عامة، تبدو وكأنھا الاتجاه السائد أو الرأي العام، ما قد یدفع الأغلبیة إلى الدخول في الصمت خوفا، أو الاندماج مرغمین في ھذا الاتجاه؛ وبالتالي اختطاف الرأي العام.