الثلاثاء 11-12-2018
الوكيل الاخباري



طموح يتطلب أداء مختلفا



تتجاوز طموحات جلالة الملك المتوقَع، ومن ذلك تطلعه إلى تحقيق معدل نمو يبلغ 7 %، يمثل رقما مرتفعا، ويحتاج الوصول إليه، بالتالي، تفكيرا خارج الصندوق.فالطموح الذي أعلن عنه جلالته في افتتاح المنتدى الاقتصادي العالمي بالبحر الميت، أمس، يبدو طموحا كبيرا في ظل الظروف الإقليمية المحيطة التي تعيق فرص الأردن الممكنة، وعلى رأسها الأوضاع في الجارتين الشمالية والشرقية؛ سورية والعراق. إضافة إلى التأثير الخطير والمباشر المرتبط بأعداد السوريين المتدفقين إلى المملكة، والتي تقترب من 1.6 مليون نسمة؛ بين لاجئ ومقيم.رغم ذلك، يظل الطموح الملكي مشروعاً، بل وضرورة في الوقت ذاته. فالتطلع إلى معدلات نمو مرتفعة، منبعه إدراك الملك للدور الحاسم الذي يلعبه في تعزيز منعة الأردن، داخلياً وخارجياً، تحقيق التنمية المستدامة، وتوفير فرص العمل المطلوبة للشباب بشكل يستجيب لطموحاتهم. وحتى تتمكن الحكومة، أي حكومة، من الاستجابة بفعالية لهذا الطموح والمطلب الضروري، فإن عليها وضع خطط مناسبة لهذه الغاية، تتضمن مسارات متعددة؛ قصيرة المدى بحيث يستشعر الناس إيجابياتها خلال وقت قياسي. وأخرى متوسطة المدى، تسعى إلى تنمية القطاعات ذات القيمة المضافة، استناداً إلى تحديد هوية الاقتصاد التي لم تتبلور حتى الآن. فيما يتبع ذلك خطط طويلة المدى، تحتاج إلى تراكم في العمل والإنجاز، وصولاً إلى الأهداف البعيدة أو الكبرى المرتبطة بالمؤشرات الرئيسة، لاسيما ما يتعلق بحجم الاقتصاد.هنا، يبدو الارتقاء بالتعليم الخطوة التأسيسية الأولى؛ لبناء القوى البشرية المؤهلة والقادرة على مجابهة التحديات، من خلال خلق وعي وفهم حقيقيين لديها للعالم، يشكلان شرطاً للنجاح في المنافسة داخلياً وخارجيا.وإصلاح التعليم، لاسيما بجعله قائما على المعرفة، هي عملية تبدأ اليوم لنقطف ثمارها بعد بضع سنوات؛ لكنها أساس تحقيق الانتصار الذي لم يأت بعد، على كل التحديات، وعلى رأسها ضعف التنافسية الذي تجلّى كثيرا خلال السنوات الماضية.بالعودة إلى طموحات الملك باستعادة القدرة على تحقيق أرقام النمو التي كانت قائمة إلى ما قبل الأزمة المالية العالمية في العام 2008؛ فإنه يبدو ضروريا الإشارة إلى مسألة طالما غفلت عنها الحكومات السابقة، وهي أن مثل هذا النمو عندما تحقق رقميا في السابق، لم يكن على صلة وثيقة بعملية التنمية المستدامة التي تنشدها الشعوب.فالتركيز على النمو ينبع من القلق الملكي بملف يشغل جلالته كثيرا، إلى جانب الملف الأمني، وهو الاقتصاد؛ باعتباره تحسيناً لمستوى معيشة المواطنين عموماً. ويمكن أن يمثل المنتدى الاقتصادي العالمي، وما دار فيه من نقاشات حول هذا الملف، بابا واسعا لتحقيق المطلوب؛ إذ تنوعت الموضوعات المطروحة على الطاولة، مع تفاصيل كثيرة تشغل المجتمع وتؤثر في مستقبله.تحقيق النمو المنشود يتطلب إعادة النظر في آلية إدارة ملف المشاريع المتوسطة والصغيرة التي يكثر الحديث عنها، فيما التطبيق يُظهر بعدا كبيرا عن الأهداف المنشودة؛ حتى لتغدو هذه المشاريع شكلا من أشكال التمويل الاستهلاكي الذي لا يضرّ ولا ينفع، وفق أفضل التقييمات.الأساس في بلوغ كل الأهداف السابقة، هو شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص؛ تقوم على تجديد فكرة هذه الشراكة بعيدا عن عقلية الحكومة التي تنظر للقطاع الخاص باعتباره مصدراَ "سهلاً" للدخل الحكومي! وكذلك بالتخلص من سلوك سائد في القطاع الخاص، يقوم على الاتكالية على الآخر بشكل كبير! ولتكون محصلة الأمرين، كما ظهر في الفترة الماضية، فشل هكذا "شراكة" بين الطرفين.ما أُعلن في المنتدى الاقتصادي العالمي عن استثمارات في الأردن تناهز قيمتها 18 مليار دولار، تعطي فرصة للبناء عليها. خصوصا أنها توفر البنية التحتية المطلوبة لتشجيع القطاع الخاص على العمل، وتؤسس لشراكات كبيرة، يحتاج إنجازها إزالة مختلف التحديات والمعيقات للعمل.وبعد الشراكات المختلفة، يأتي التركيز على المبدعين من الشباب، كونهم أساس قصص النجاح التي تبدأ صغيرة، لكنها تكبر وتنمو معهم. ومن دون التركيز على هذه الشريحة، لن تتحقق الانطلاقة المطلوبة، أو لن يكون بالإمكان استدامتها أبدا.