الإثنين 22-04-2019
الوكيل الاخباري



علة الإصلاح السياسي



منذ ثلاثة عقود يبرز عنوان الإصلاح السياسي ويتراجع كأولوية وطنية وعلى الرغم من تحقيق بعض الإصلاحات المحدودة أبرزها التخلص من الصوت الواحد في النظام الانتخابي وإنشاء الهيئة المستقلة للانتخاب والمحكمة الدستورية، لكن إلى اليوم هناك شبه إجماع عام بأنه لا تقدم يتحقق على الأرض في الإصلاح السياسي والمشاركة العامة؛ فما نزال نشهد مرحلة انتقالية طويلة غير محسومة جعلت الكثير من العناوين والملفات معلقة وبدون حسم؛ ما جعل سمات هذه المرحلة - التي من المفترض أنها مؤقتة- تترك آثارها البالغة في مناحي الحياة العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى في فهمنا للتحولات التي يشهدها المجتمع وعلاقته بالدولة وبالمؤسسات.
راكمنا خلال هذه العقود أدبيات واسعة حول علل الإصلاح السياسي تبدأ من عدم توفير بيئة ملائمة لتداول السلطة وتحديدا في صيغة الحكومات البرلمانية، ثم الهشاشة الديمغرافية وحتمية بقاء هذا الملف معلقا بمصير تسوية القضية الفلسطينية مع كل ما يحمل هذا السيناريو من مخاوف ثبت بعضها مؤخرا في الطروحات والصفقات السياسية الموعودة، وصولا إلى أن الثقافة المجتمعية ما تزال غير مهيأة لاستيعاب تحولات ديمقراطية جذرية. لكل من هذه العلل مبررات منطقية تستحق الإصغاء والفهم، لكن علينا التوقف عند نقطة أساسية أنه لا يوجد لدينا إلى اليوم تعريف مشترك للإصلاح السياسي ولا إجماع على حد أدنى من عناصره الأساسية، فخلال السنوات الماضية بات الإصلاح السياسي مرتبطا بقانوني الانتخاب والأحزاب وهما أكثر القوانين التي شهدت تعديلات حتى بات الأردنيون يذهبون إلى كل انتخابات بقانون جديد.
علاوة على العلل السابقة ثمة غموض في العلاقة بين النخب المحافظة ومؤسسات الدولة السيادية ونخبها والنخب التي تدور حولها، وبين هياكل الدولة الديمقراطية الناشئة ونخبها أي من يصفون أنفسهم بالإصلاحيين ومن يدور حولهم ومنذ أكثر من عقدين يوجد ممثلون لهياكل الدولة الديمقراطية داخل سلطات الدولة إلى جانب القوى المحافظة، لكن اليوم لا يوجد توافق الحد الأدنى على تعريف الإصلاح السياسي وأدواته، ما أدى إلى عدم ترسيخ علاقة واضحة الملامح أي مسار لبناء الثقة المتبادلة، فما يزال طرفا المعادلة يتشككون في نوايا ومواقف الطرف الآخر، وكل منهما لا يمنح الطرف الآخر مساحة للمساهمة تخدم استكمال بناء النموذج الديمقراطي.
تبدو هذه الحالة متكررة في تجارب الانتقال السياسي في العديد من الدول، وفي الحالة الأردنية تشكل مثالا واضحا لعدم التكامل السياسي وضعف مسار التوحيد والتكامل حول أهداف وطنية في بناء نموذج ديمقراطي الأمر الذي يذهب عميقا في الهياكل السياسية والبنى الاجتماعية.
من البساطة اختصار الإصلاح السياسي بقانوني الانتخاب والأحزاب، وعلى كل الأحوال فالتعديلات المطلوبة على القانونين شبه متفق عليها ومعظمها تعديلات فنية وحتى إن حصلنا عليها ستبقى قاصرة عن تحقيق الحلم ببرلمان قوي، وأحزاب سياسية ذات امتداد شعبي وقادرة على طرح برامج مقنعة.
لقد صدعت أدبيات الإصلاح السياسي والديمقراطية رؤوس الناس على مدى عقود دون طائل، نحتاج إعادة تعريف الإصلاح السياسي بربطه بالخيارات الاقتصادية وبسيادة القانون وتماسك المؤسسات بالطرق الأكثر كفاءة في إدارة شؤون الناس وحاجاتهم؛ فالديمقراطية والإصلاح الذي يمكن أن يصغي إليهما الناس يبدآن من اجتثاث الفساد بكل أوجهه وبكفاءة إدارة الموارد والخيارات الوطنية، الإصلاح السياسي الحقيقي يبدأ من السياسة المحلية من جعل الناس على مستوى المجتمعات المحلية في مجالس المحافظات يمارسون ديمقراطية محلية يكون لهم الحق في مناقشة السياسات العامة على المستوى المحلي وعلى المستوى الوطني ولهم رأي في السياسة الخارجية وفي إدارة الديون العامة وغيرها. فهناك يتم غرس ديمقراطية آمنة وأكثر ارتباطا بحاجات الناس وكرامتهم وأولوياتهم.