الأربعاء 21-11-2018
الوكيل الاخباري



عَمَار يا مصر



قد يكون الانطباع الذي يتكون عندنا تجاه بعض الشعوب غير صحيح، خاصة إذا بني حكمنا عليهم من خلال عيّنة اجتمعنا بها وهي خارج أرضها. فالإنسان خارج وطنه له شخصية تختلف عنها داخله، فمثلا العامل الذي يأتي إلى بلدنا همه أن يجمع مبلغا محترما من المال ليشتري شقة، أو يشتري جهاز البنت، أو يعلم الأولاد، وربما صاحب هذا الهم شيئا من الحرص، فيظن الآخرون أن هذا الحرص صفة أصيلة في هذا الشعب. وهذا حكم جائر.
لقد عشت في مصر، وعرفت من كرم أهلها وسخائهم ما لا تجده في بلد آخر، ولا أبالغ إن قلت إن أهل مصر من منابع الكرم. وسأضرب على ذلك أمثلة رأيتها وعشتها.
فمثلا إذا نزل رمضان في مصر، وما أحلى رمضان مصر! ستجد موائد الرحمن قد  انتشرت في شوارع القاهرة انتشار أشعة الشمس في الفضاء، فلا تكاد تدخل شارعا إلا وبه السّفر الممتدة. وبالمناسبة موائد الرحمن في القاهرة درجات: فهي تبدأ من موائد متواضعة تقدم الأرز والخضار مع اللحم، وتنتهي بموائد تقام في مطاعم السفن السياحية على  شاطئ النيل، ولولا هذه الموائد ما استطاع كثير من الناس دخول تلك السفن السياحية. ولكنّ الجامع بين كل تلك الموائد الروح الطييبة لمقدمي الخدمة، حيث يتعاملون مع الصائمين بروح قلّ نظيرها، فهم يعتبرون الصائم الذي زارهم صاحب الفضل عليهم، لا هم أصحاب الفضل عليه. وليست هذه الموائد للفقراء فحسب، بل فيها الموظفون والعاملون، والتجار، والطلاب، وكل من لا تسمح له وظيفته بالوصول إلى أهله وقت الطعام؛ لأنّ كثيرًا منهم ربما عاد للعمل بعد الإفطار.
أما في الموالد والمناسبات الدينية، فيتسابق مشايخ الطرق على نصب الخيم والصيوانات، ليقدموا المنامة والضيافة والطعام لكل وافد من خارج المحافظة أو داخلها، ويعتبرون دخولك عليهم دون تناول شيء منهم رسالة سلبية وغير مقبولة، فلا بد لك من أن تأكل شيئا أو تشرب. ولا أنسى الضيافة التي حصلت عليها مع زملائي الطلاب في استراحة الإمام محمد متولي الشعراوي قرب مسجد السيدة نفيسة رضي الله عنها. حيث دعانا الشيخ عبد الرحيم الشعراوي ابن الشيخ محمد رحمة الله عليهما لتناول العشاء، ووضع أمامنا الأرز واللحم والمرق، وأجبرنا على الأكل حتى الانفجار. 
ولا يقتصر الكرم على القاهرة، فقد وجدته في طول البلاد وعرضها من الإسكندرية حتى الصعيد، ففي الإسكندرية –مثلا- كان يقوم الحاج ثروت وأخوه الحاج رفعت باستضافة مجموعة من طلاب الأزهر في منزلهما وبمجرد وصولنا تبدأ سفرة  الطعام بالنزول وكنت أرى من خيرات البحر ما أعلمه وما لا أعلمه، المشوي، والمقلي، والصيادية، والجمبري، والكابورية، وغير ذلك مما لا أعرفه. ثم ترتفع السفرة ليحلّ مكانها سفرة الحلوى، وبعدها سفرة العصائر، إنه يوم يفرِّغ فيه هذان الرجلان العاملين عندهم للقيام بواجب الخدمة، حيث يقفون فوق رؤوسنا من أجل خدمتنا، ولا أنسى يوما حجزا لنا شقة للمبيت في الإسكندرية، ورأيت خدمة لم أرها عند أحد في حياتي، فقد دخلنا الشقة بعد وصولنا لنرى صحون المكسرات منشرة هناك، وقمنا بالتهامها لأنها من الأشياء التي لا يحظى بها الطلاب عادة، ثم بدلنا ملابسنا وخرجنا لنتفسح في المدينة ونزور سيدي أبا العباس المرسي، والإمام البوصيري، وعندما عدنا للشقة وجدنا صحون المكسرات قد عادت ممتلئة كأننا لم نمرّ عليها، ووجدنا ثيابنا مغلفة بعد غسلها وكوْيها، وترجع سُفر الطعام على العشاء بنفس نظام الغداء، هؤلاء هم المصريّون... عَمار يا مصر.