الأحد 15-09-2019
الوكيل الاخباري



عن الاستقلال والقرار المستقل





في عالمنا العربي تأسس مفھوم الاستقلال على فكرة العداء للغرب، فالاستقلال لا یكون ناجزا إلا بقدر افتراقھ عن الدول الغربیة.


ھذا المعیار للاستقلال لم یأت من فراغ، فالدول الغربیة ھي القوى الاستعماریة التي ورثت مناطق النفوذ العثماني في المشرق العربي تحدیدا.


ولم تكتف ھذه القوى“بریطانیا وفرنسا على وجھ التحدید“ بذلك بل اقتطعت جزءا عزیزا من الأرض العربیة ومنحتھ للیھود وطنا قومیا لھم.


شكل ھذا التاریخ الاستعماري مفاھیم الاستقلال والسیادة الوطنیة في عالمنا وأعطاھا معنى مختلفا عن الدول الأخرى.


الاستقلال یعني أن تكون في الخندق المعادي للغرب وأمیركا، والأخیرة كانت خارج حسابات الوعي القومي العربي، إلى الیوم الذي حلت فیھ مكان الدول الأوروبیة المستعمرة، وحملت على عاتقھا رعایة المصالح الصھیونیة في فلسطین، وتشكیل تحالف عربي إسلامي لمواجھة المد الشیوعي في منطقتنا.

كتبت بدایة القرن الجدید نھایة عصر الحرب الباردة بین القطبین، لكن ذلك لم یمس الأفكار المھیمنة في العقل العربي ونظرتھ لأمیركا والغرب عموما. وبعد الغزو الأمیركي العسكري للعراق العام 2003 صارت مفاھیم كالسیادة والاستقلال لا تعني شیئا سوى العداء لأمیركا.

تطورات الأحداث في المشرق العربي تحدیدا أعادت للأذھان مراحل سابقة من التاریخ، حین تحولت بلادنا العربیة لمیدان صراع بین قوى خارجیة؛غربیة وشرقیة، كانت سوریة ومن قبلھا العراق مسرحا حیا لھذه الصراعات. قوات أجنبیة من مختلف الجنسیات تسیطر على أراض عربیة، وقواعد عسكریة تدیر جبھات القتال على امتداد الجسد العربي الغارق بالفوضى والحروب الأھلیة والصراعات المذھبیة.

المشھد كان یذكر بحالة العالم العربي إبان الحرب العالمیة الثانیة، حین انقسم عالمنا العربي بین دول المحور والحلفاء، لكن بصیغة جدیدة تناسب مقتضیات العصر الحدیث. ولھذا السبب ربما سمى البعض ما كان یدور على الأرض السوریة بالحرب الكونیة.


في الأثناء كان مفھوم الاستقلال بمعناه القدیم یكاد یتلاشى تماما، خاصة وأن التحولات التي شھدھا العالم وثورة المعرفة الھائلة وما رافقھا من سیادة مفاھیم العولمة، لم تترك كلھا مجالا لاستقلال یعادي الآخرین أو یقوم على الانكفاء على الذات والاعتماد على الموارد المحلیة.

التكتلات الإقلیمیة على أھمیتھا أصبحت بحاجة لشریك استراتیجي دولي لكي تمارس قدرا من الفعالیة. بدون الصین وروسیا ما كان لإیران أو تركیا على سبیل المثال أن تواجھ الضغوط الاقتصادیة الأمیركیة، وكذا الحال مع كوریا الجنوبیة الخاضعة للرعایة الأمیركیة.

لا تقلل ھذه الحقائق من حاجة الدول لتعزیز قدراتھا الذاتیة وصیانة سیادتھا الوطنیة، لكن مفھوم القرار الوطني المستقل یكون بلا معنى، إذا لم یأخذ بعین الاعتبار شبكة المصالح المرتبطة مع العالم الخارجي والقوى الدولیة الكبرى. كل دولة تجاھلت ھذه الحقیقة وقعت في ورطة لم تخرج منھا أبدا.

استقلال الأردن على مدى 73 عاما كان صراعا معقدا لإدارة المصالح المتشابكة عربیا وإقلیمیا ودولیا، أفضى في كل مواجھة خاضھا للخروج بأقل الخسائر، والحفاظ على وحدة البلاد واستقرارھا، مع ھامش مناورة معقول یضمن الحد المطلوب من المصالح الوطنیة دون الإضرار بشبكة التحالفات. الدول كالسمك لا تعیش خارج عالمھا.