الخميس 24-01-2019
الوكيل الاخباري



عن قاموس «البلطجة» .. في لبنان!



دخل لبنان منعطفاً جديداً، ببعد داخلي هذه المرة, اكثر خطورة وأشدّ وقعاً من الأبعاد «الخارجية», التي دأبت علىارتهانه لمخططات العواصم الإقليمية والدولية, ذات الفاعلية والدور الحيوي في الشأن اللبناني, سواء كانت عربية أم برز على الدوام العامل الإسرائيلي، وخصوصاً الدور الأميركي الفرنسي في مجريات الوقائع اللبنانية.وإذ كان لبنان نجَح في تجاوز «قطوع» الفراغ الرئاسي, بعد أن تمترس الأفرقاء في خنادقهم وشحذَت العواصم الإقليمية أسلحتها المتعددة, لتعطيل وصول مرشح الفريق الآخر إلى قصر بعبدا، إلى ان تم اجتراح تسوية لم يكن أحد يتوقع نضوجها بعد سنتين ونصف من شغور منصب رئيس الجمهورية، فإن انتخاب»حليف حزب االله» الجنرال ميشال عون قبل عام ونيف (30 تشرين الأول 2016 ,(قد فتح أبواب «تهدئة» ما كانت لتحدث لولا إضطرار الجميع للإعتراف بأن الوقت قد حان, لإخراج لبنان من أزمة بنيوية قد يُهدّد استمرارها المنطقة بأسرها، إذا ما جرى «تفجير» الأوضاع الداخلية, نظراً لارتباطها بملفات المنطقة وموازين القوى فيها, في مرحلةعربد فيها الإرهاب, ووجد في بعض دول الإقليم مَن يرعاه ويموِّله ويدافع عن خطابه, ولم يكن الداخل اللبناني استثناء في هذا الشأن.ما علينا..جلس الجنرال (الماروني) في قصر بعبدا, واستعاد سعد الحريري كرسي الرئاسة الثالثة المخصَّصة للطائفة «السُنيّة»، فيما واصل «الشيعي» نبيه بريّ الإمساك بالرئاسة الثانية (مجلس النواب) التي دانت له طوال ربع قرن, ولم ينجح خصومه في إزاحته عن هذا الموقع الحيوي, لاعتبارات كثيرة أهمها التحالفات التي تنشأ في اللحظة الأخيرة, والتي تحول دون تمكن خصومه من إبعاده عن رئاسة السلطة التشريعية, رغم محاولات خصومه طرح اكثر من مرشح شيعي هزيل, لم يحظ احد منهم بأي فرصة, ضمن نظام المحاصصة الطائفية المذهبية المعمول بها منذ سبعة عقود ونيف, ومعادلة اقتسام كعكة السلطة التي تتمسّك بها الطبقة الحاكمة من أمراء حربسابقين ورجال دين وطوائف وقادة أحزاب وزواريب ومحاور, وخصوصاً في «تمسّك» الحلفاء الإقليميين بأسماء وأحزاب ذات جذور طائفية ومذهبية صارخة, لم يتمكن اللبنانيون رغم ما يُظهِرونه من تبرّم وسخط إزاء هذه الطبقة ورموزها, من التأثير على هيمنتهم وتحكّمِهم بالشأنين السياسي والاقتصادي في لبنان.بدا عهد الجنرال عون وكأنه نسخة مغايِرة لعهد سلفه الجنرال الآخر ميشال سليمان, الذي جاء الى هذا المنصب الرفيع... صدفة وفي ظروف غامضة، وبدت الامور(في عهد عون) وكأن مرحلة من التعاون والحرص على إدخال تغيير في المشهد اللبناني, قد باتت على أجندة القوى الفاعلة في بلاد الأرز, بمذاهبها وطوائفها الرئيسية الثلاث سُنّة، شيعة و»المسيحيين» الذين تبنّى التيار الوطني الحُرّ (حزب الجنرال عون) شعار إستعادَة حقوقهم وإعادة مبدأ المناصفة (وفق اتفاق الطائف 1989 (إلى التداول الفعلي, ولم يمانع أحد، لكن انتخاب صهر الجنرال جبران باسيل لرئاسة التيار خلفاً للجنرال الذي غدا (بييّ الكِلّ)، أدخل لبنان في مناخ من التوتر والإحتقان, وبخاصة أن باسيل الذي تسلّم منصب وزير الخارجية, معروف عنه نزَقه وتهوّره واندفاعَه بل عدوانيته في التصريحات التي يدلي بها‘ بلا ضوابط أو محاذير في بلد منكوب بالطائفية والمذهبية, إلى أن ارتكب خطأ كبيراً عبر وصفِه رئيس مجلس النواب بأنه «بلطجي»، مُهدّداً بـ»تكسير رأسه» إذا ما فكّر بإغلاق أبواب مجلس النواب, لمنع إعادة النظر في قانون «الانتخاب النسبي» الجديد الذي تم إقراره, بعد توافق عسير وإصرار قوى مُؤثِّرة على إجراء انتخابات جديدة, لبرلمان مدّد لنفسه أربع مرات وفق قانون الانتخاب القديم (قانون الستين).هنا انفجرت الأوضاع... ولم تعد متوقِّفة فقط عند الخلاف الحاد الذي وقع بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب في شأن ما سمي بـ»قانون عون» أو «قانون الأقدميّة» أراد من خلاله الجنرال عون «إنصاف» دورة ضباط كانوا في عهده عندما كان رئيساً بالوكالة بعد استقالة الرئيس الأسبق أمين الجميل، قبل أن تطيحه المعارَضة بالتعاون مع الجيش السوري, ولجوء عون إلى السفارة الفرنسية في بيروت, بعد اقتحام قصر بعبدا ثم اضطراره للعيش في المنفى لربع قرن من الزمان.طولِب باسيل بالاعتذار «عَلناً فرفض, وإن كان أبدى أسفه على ما صدر عنه من وصفٍ «ليس من أدبياتنا» على ما صرّح، ما أوصل إلى تأجيج الأوضاع وتمترس أطراف الأزمة عند مواقفها, الأمر الذي يُهدّد بانهيار التسوية التاريخية التي أوصلت الجنرال إلى قصر بعبدا, وربما تُسهِم في انهيار معادلات وتحالفات وخصوصاً في فريق 8 آذار الذي «صمَد» نسبياً, بعد أن تصدّع الفريق الخصم (14 آذار) كما رفض حزب االله التصريحات التي مسّت حليفه في حركة أمل (بريّ), وبروز تعاطف «مسيحي» مع باسيل, في وقت إنعدم فيه تأثير ودور رئيس الحكومة سعد الحريري في «لملمة» أزمة قد يدفع هو شخصياً بعض أثمانها, إذا ما انهارت معادلة التسوية المذكورة التي أعادَته إلى رئاسة الحكومة.الأزمة الراهنة مفتوحة على احتمالات جديدة, في حال عدم اعتذار باسيل, الذي يبدو أنه لن يفعلها, اللهم إلاّ إذا تدخّل الجنرال عون وضغط عليه. أمّا الإنتخابات البرلمانية المقررة في6 أيار, فإنها قد تكون استحقاقاً مؤجَّلاً, وربما يجري تطييرها. إذا ما تعمَّق الإنقسام وذهب كل من أطراف الأزمة إلى التصعيد والعناد.«إيه... هيدا لبنان» صحيح ذلك في النهاية..، لكن الأزمة الراهنة أكثر خطورة في بُعْدِها الشخصي والطائفي, من أيّ أزمة سبقت... سوى الحرب الأهليّة.