السبت 23-03-2019
الوكيل الاخباري



غير متوافر!

 



الخبر الذي نشرته "الغد" (أول من أمس) عن ابن نائب حاول الالتحاق بتنظيم "داعش"، لم يعد غريباً أو مفاجئاً للأردنيين؛ فقبل ذلك كان ابن نائب آخر يُقتل وهو يقاتل مع التنظيم، كما نسمع قصصاً ونقرأ أخباراً عديدة عن آلاف الأردنيين الذين التحقوا بمثل هذه التنظيمات، وفُجعت أسرهم بفقدانهم أو اختفائهم.وبخلاف الصورة النمطية المعروفة، فإنّ هناك خليطاً من الأشخاص الذين يذهبون إلى هناك، لكن المقلق في الأمر أنّنا نتحدث عن اختراق "التيار الداعشي" للطبقة الوسطى والمتعلمة، وقدرته غير المسبوقة (لدى التيارات الجهادية الأخرى، بما فيها "القاعدة") على استقطاب وتجنيد جيل الشباب وأبناء الجامعات الأردنية.الطريف في الأمر أنّ الحكومة أعلنت عن إعداد "استراتيجية لمكافحة التطرف"، وتشكيل لجنة عليا برئاسة رئيس الوزراء، قبل أشهر قليلة. لكنها تمنّعت عن إعلانها والتعريف بمحاورها وفلسفتها وآلياتها، وما تسرّب عنها لا يشي بأنّنا أمام تفكير جدّي حقيقي لمواجهة نمو هذا التيار وصعوده؛ على الصعيد المدني والثقافي والسياسي، بقدر ما أنّ "المنظور الأمني" هو الذي يحكم حتى تفكير الوزارات والمؤسسات الأخرى التي شاركت في إعداد هذه الاستراتيجية الفاشلة مسبقاً!لماذا نحكم عليها بالفشل؟الجواب: لأنّ أي استراتيجية أو جهود حقيقية لا بد أن تبدأ من دراسة الظاهرة دراسة معمّقة، وتفكيكها وتحديد متغيراتها، والعوامل والشروط الفاعلة فيها، من أجل تقدير المسار المطلوب لمواجهتها والتعامل معها. وهذا ما لم يحدث بالضرورة في الاستراتيجية الرسمية، ولا نجد له أثراً في الندوات والمؤتمرات واللجان الفلكلورية التي يتم تشكيلها تحت العنوان نفسه!كنت أقرأ أمس ملخّصاً عن تقرير مهم جداً لمرصد الشمال لحقوق الإنسان في المغرب العربي، عن "هجرة المقاتلين المغاربة المنحدرين من المناطق الشمالية للقتال في سورية والعراق"؛ إذ يرصد التقرير، عبر الأرقام والحقائق والمعطيات الواقعية، أعداد الشباب المهاجرين وخلفياتهم الاجتماعية والتعليمية، والخط البياني لأعدادهم وأدوارهم، وأساليب تجنيدهم هناك.لست مهتماً بعرض النتائج هنا، لكن ما يهمني فعلياً هو فكرة التقرير نفسها. فمثل هذا الجهد المطلوب والأساسي، الذي يمثّل شرطاً لفهم الظاهرة ومواجهتها، هو جهد غير موجود أو قائم في الأردن، بالرغم من تأثر آلاف الشباب الأردني بها؛ لعدم توافر المعلومات والمعطيات، ما يصعّب من القيام بعملية الرصد والمتابعة من قبل المؤسسات العلمية والبحثية والمدنية لدراسة أكثر عمقاً، قادرة على تفسير نمو التيار والتعرّف على طبيعة أفراده وخلفياتهم المتنوعة!في كثير من الدول الأوروبية والغربية، وحتى بعض الدول العربية مثل السعودية والمغرب، هناك انفتاح وتعاون بين المؤسسات الرسمية المختلفة والمؤسسات البحثية، في دراسة ومتابعة هذا التيار وصعوده والتعامل معه. فثمّة ضرورة أن تتزاوج الجهود الأمنية مع الجهود المدنية المتخصصة في التعامل مع هذه الظاهرة الاجتماعية-الثقافية، والتي تتحوّل إلى تيار في المجتمع، بما يتجاوز تماماً الشق الأمني للبحث!بدأنا في مركز الدراسات الاستراتيجية، بالجامعة الأردنية، بعملية بناء قاعدة بيانات حول هذا التيار مؤخراً؛ بأسماء الشباب الملتحقين به في سورية، والقضايا المنظورة في المحاكم الأردنية، من أجل تحليل أعمق للمتغيرات الرئيسة، وتجاوز عقلية الفزعة الحكومية التي ما تزال تحكم التعامل مع ملف التطرف والإرهاب، أو الفزعة الموازية من قبل التيارات السياسية والأيديولوجية الأخرى التي تغمّس خارج الصحن تماماً في محاولة التعرّف على هذا التيار وأسبابه وسبل مواجهته.بناء قاعدة المعلومات عملية طويلة، ستحتاج وقتاً وجهداً. ويمكن اختصارها وحرق كثير من المراحل، فيما لو تعاونت المؤسسات الرسمية، وأدركت مدى أهمية ذلك. وهو الأمر الذي لا يبدو أنّه متوافر إلى الآن!