الثلاثاء 11-12-2018
الوكيل الاخباري



في جدل العشيرة والدولة



بداية.. أؤيد بالكامل تشخيص رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز بوصفه حالة الإصلاح لدينا في الاردن، والاستنتاجات التي خلص اليها، وأبرزها أن العشائرية ما تزال هي القوة المسيطرة في ظل غياب العمل الحزبي المنظم، وفي نفس الوقت أرفض بشدة الهجوم الذي شنّه البعض على الرجل دون مطالعة ومراجعة ما قاله في الندوة التي اطلق فيها تصريحاته تلك.الرجل، وفق ما شاهدته في شريط الفيدو الخاص بالندوة، وصف حالة معينة ردا على سؤال من احد الحضور، وسعدت كثيرا بالتوصيف الذي توصل اليه رئيس مجلس الاعيان، فهذا التوصيف اعتقد انه دقيق وواقعي، فهل ينكر أحد أو يختلف بأن الولاء للعشيرة في ارتفاع؟ وهل ينكر أحد أن الأحزاب ضعيفة وغير قادرة على التأثير؟ وهل أحد ينكر أن الانتخابات ما تزال تتم وفق أسس عشائرية؟ إذاً لماذا الغضب من الرجل والهجوم عليه؟!شخصيا لم ألمس في كلام الفايز؛ وهو ابن العشيرة، أي إساءة لدور العشائر في الأردن أو تطاولا عليها، وإنما عبّر في مطارح مختلفة عن قناعته بدورها وأهميتها، وهذا كلام لا يختلف عليه اثنان، والكل يجمع على ذاك، فكلنا أبناء عشائر ولا نسمح بفكرة التطاول على العشيرة من أجل التطاول فقط.أما في ظل العمل السياسي وتوصيف الحالة فإن الدولة كفكر هي تطور طبيعي للعشائرية، وبالتالي فإن من يريد الذهاب لبناء الدولة يتوجب عليه في المقام الأول التخلص من التقوقع العشائري وليس نبذ العشيرة، والانطلاق لمطارح أرحب، وهنا أعتقد أن مردّ كل الغضب والهجوم الذي شنّه البعض على رئيس مجلس الاعيان، الذي اضطر لإصدار توضيح حول تصريحه، مؤكدا أنه لم يتعرض للعشائر من قريب أو بعيد، هو أن البعض يريد أن يجعل من فكرة العشائرية تابوهات لا يجوز الاقتراب منها، ولذلك ترتفع نبرة هجوم البعض كلما اقترب أحد من تلك المسلمات، والأنكى أن سواد المهاجمين والمنافحين عن العشائرية لا يطالع أغلبهم ماذا قيل أو السياق الذي قيل فيه، فيبدأ الهجوم دون معرفة أو دراية.البعض، وهذا واضح، يخلط بين توصيف الحالة ومهاجمتها، والبعض أيضا يطالب بدولة متطورة وفي الوقت عينه يرفض الانتقال من فكرة الدولة - العشيرة، إلى فكرة دولة المؤسسات والقانون والدستور، وفي هذه الحالة فإن الأصل أن تغيب العشائرية ويتم الاحتكام للدستور والقانون في كل تعاملاتنا، وأن لا نجد أشخاصا يتطاولون عليه (القانون) محتمين بالعشيرة.هذا التقوقع ووضع خطوط حمراء وصفراء وبيضاء ورمادية لا يفيد في الحالة الأردنية، فقد كثرت في الفترة الأخيرة خطوطنا الحمراء، التي يرسمها البعض والتي لا يجوز الاقتراب منها حتى بات الحديث أو انتقاد أندية رياضية بعينها لدى البعض محرمات لا يجوز الاقتراب منها.لذلك كله علينا الإجابة عن سؤال أساس وهو هل نريد دولة قانون ومؤسسات ومحاربة فساد، ومواطنة وعدالة؟ إن كنا نريد هذا الشكل من أشكال الدولة فعلينا التسليم بأن العشائر مقدّرة ومحترمة ودورها أساسي، ولكن علينا عدم زجّها في العمل السياسي أو في مفاصل الدولة، فبدون ذلك سنبقى نراوح مكاننا وستبقى قوى الشد العكسي هي المسيطرة والمتحكمة بكل مفاصل الأمور، وستبقى تلك القوى قادرة على إعادتنا إلى المربع تحت الصفر في حالات معينة وفتح طاقة نور في مطارح اخرى، وهذا كله لا يفيد الدولة الحديثة التي نرنو إليها جميعا والتي لا يمكن أن تتم دون أن نسلّم بأهمية الانتقال من فكر العشيرة إلى فكر الدولة وعدم قيام البعض بزج العشيرة في معرض تطاول أولئك البعض على الدولة والعبث بمؤسساتها.