الأربعاء 19-12-2018
الوكيل الاخباري



كهوف صامتة !



الوكيل - "يوم كان العشّاق يموتون عشقًا، ما كان للحبّ من عيد. اليوم أَوجد التجّار عيدًا لتسويق الأوهام العاطفيّة، غير معنيّين بأنّهم بابتداع عيد للحبّ يُذكّرون غير العشاق بخساراتهم، ويقاصصونهم بفرح الآخرين. إنّه في الواقع أكثر الأعياد تجنّيًا!". بتلك العبارة من رواية "الأسود يليق بكِ" للكاتبة أحلام مستغانمي، تصف فتاة شعورها الذي يملؤه القهر والحزن من زوج يأبى الكشف أو التعبير عن مشاعره لها.في يوم "الحب" التقيتها صدفة. كانت ملامحها كئيبة واليأس يغلف كلامها. يبدو أن شيئا كبيرا ينقصها. سألتها ما بك تبدين هكذا، بدلا من قضاء ساعات جميلة من الحب مع زوجك الذي لطالما حدثتني عن مشاعرك الجياشة التي تكنينها له؟!تكشفت ابتسامتها الغامضة، كما لو أنها استعادت من خلالها سنوات طويلة مرت. قالت: "ما أصعب فقر القلوب! فأنا أعيش حياة جافة وصامتة لا مشاعر فيها، ومع الوقت بدأت أفقد بريقا كان يزين حياتي. فقدت ثقتي بنفسي بسبب زوج لا يعير المشاعر أي اهتمام، ولا يعبر لي بكلمة واحدة عن أهمية وجودي في حياته. زوج لا وقت له للحب ولا مكان للكلام الجميل في حياته. أما أنا فأحبه بجنون".استغرقت في تفكير طويل، حتى خلت أنها لم تعد تحس بوجودي. غير أنها ما لبثت أن قالت: "يا صديقتي، إنه الرجل الشرقي الذي يعيبه التعبير عن مشاعره، فهو لم يتدرب عليه منذ الطفولة. إنها ثقافة غريبة عليه، وربما تهينه وتضعفه، في حين لا يعيبه أو ينقص من رجولته فن التعبير عن غضبه وقسوته!!".أخبرتني أنها أطلعت زوجها على ما تشعر به من جفاف للمشاعر في بيت تشهد جدرانه على الفتور والغموض العاطفي، فما كان منه إلا أن رد قائلا: "أنا رجل عقلاني وعملي لا أؤمن بكلمات الحب، وتأميني حياة كريمة لك ولمستقبل أبنائك، بنظري، يفوق أهميته أي شيء آخر. في حياة صعبة كهذه لا مكان يا زوجتي العزيزة للحب".فترد عليه قائلة: "لكن في حياة صعبة كهذه نحن في حاجة لمزيد من الحب".تستعيد قواها، على حين غرة، وتخاطبني بالقول: "دعي القلوب العاشقة تفرح بهذا اليوم، أما أنا فسأكتفي بالصمت، فأعياد الحب لا تعنيني. ويكفيني أعياد النسيان!!".الحوار القصير الذي كان بيني وبين تلك السيدة التي يأكلها الإحباط ويتقلص لديها شعور الثقة بالنفس، جعلني أفكر في حال كثير من الأزواج الذين يعيشون داخل كهوف من الصمت، وبين جنبات بيوت جافة وخالية من مشاعر الحب، لينتقل الأمر تدريجيا إلى الأطفال الذين يكبرون على حرمان وكبت في المشاعر وفقدان الإحساس بالأمان.ثمة رجال في مجتمعنا لا يؤمنون بالتعبير عن الحب إن وجد، ولا ينطقون بأي كلمات طيبة، لأن نشأتهم اعتمدت على جفاف العواطف، وعلى أسس حمقاء تقول إن إدارة الأسرة والمنزل تحتاج إلى الصلابة والقوة والغموض وفرض الهيبة، والتي، في اعتقادهم، تجعل الأمور تسير على أحسن أحوالها.هناك وقع داخل قلب كل امرأة لعبارات جميلة تسمعها، ولمشاعر حب تزين حياتها. هناك وقع لكلمة تقدير بسيطة تؤثر بها، فاعتراف الزوج بحبه لزوجته لن ينقص من قوته، إنما يزيده صلابة وقدرة على تحمل مصاعب الحياة.ندرك أن الرجال يتحملون مسؤوليات جمة، وإن كانت لا تقل عن المسؤوليات التي تتحملها الزوجات، ومع ذلك أنتم بحاجة لمشاعر تنسيكم متاعب الدنيا وتحيي الأمل في قلوبكم.الحب حاجة مشتركة للطرفين.يكفينا جفاء وخجلا من الاعتراف بالحب. دعونا نطلق العنان لمشاعرنا كما هي، من دون زيادة أو نقصان لتتولد الشمعة التي تضيء الحياة أمامنا، وحينها سنجد حافزا أصيلا لكي نعيش الحياة بجميع تفاصيلها.