الثلاثاء 13-11-2018
الوكيل الاخباري



معارك جانبية




نعيش في حياتنا معارك عديدة، ذات أشكال مختلفة، لكن الجامع بينها، أنها معارك جانبية، لا تحقق شيئا سوى استهلاك وقت أفراد الأمة فيما لا طائل منه، ولا جدوى من الخوض فيه، وهكذا تنشغل الأمة عن معاركها الرئيسة، مثل معركة البناء وإقامة الحضارة على  أساس الحق والعدل، وتحرير المقدسات، وتطوير البلاد والعباد.
إن التكلفة التي تدفعها الأمة من خلال استنزافها بالمعارك الجانبية كبيرة جدا، ولو جمعت تلك الأموال أو حتى الطاقات الذهنية ووضعت في شيء مفيد، لكان حال الأمة أفضل مما هو عليه بكثير.
ومن أمثلة المعارك الجانبية، ما يحاول البعض إثباته من أن في صحيح البخاري ومسلم بعض الأحاديث الضعيفة، ويبذل كل وقته وجهده ويسخّر قلمه في سبيل هذه القضية، وكأنها المفتاح السحري لكل مشاكلنا، ونقول له: يا أخانا الكريم، هب أن في البخاري مئة حديث ضعيف لا عشرات الأحاديث، ما الثمرة التي سنبنيها على هذا الاكتشاف العظيم، وغير المسبوق في تاريخ الأمم والشعوب. في البخاري ما يزيد على سبعة آلاف حديث، سنوافق على حذف مائة، لكن ماذا بعد؟ هل حلت مشاكل المسلمين؟ هل قضينا على الفقر والبطالة؟ هل قضينا على الرشوة والفساد؟ هل أصبحنا في ركاب الأمم المتحضرة؟ أفهم أن يكون هذا الموضوع في محاضرة بين مختصين، أو بحث علمي محكّم، وسيكون اجتهادا من صاحبه ضمن الزمان والمكان المناسبين. أما أن يجعل إنسان هذه المسألة قضية عمره يحيا من أجلها، ويموت من أجلها، فأتوقع أن هذا الإنسان يسير بالاتجاه الخطأ، حيث أمضى زمنا من عمره بما لا يحقق للأمة نهضتها، ولا يوقظها من غفلتها.
ومن هذه المعارك، الصراع بين الأندية الرياضية، حيث تكون هناك معركة على المدرجات لا تقل أهمية عن معركة المستطيل الأخضر، حيث يتبادل الجمهور الكريم مختلف أنواع الشتائم والإساءات، حتى تصل لحدٍّ لا يمكن قبوله أو السكوت عنه، وتصبح هذه المسألة حديث الساعة ووسائل الإعلام، ويبدأ النقاش والتحقيق، من بدأ بالاعتداء والهتاف، ومن بدأ بضرب الآخر، ومن ومن..الخ. وقت يهدر، وجهود تضيع، وبدلا من أن تكون الرياضة وسيلة متعة أو تسلية، تصبح فخا لتضييع  الوقت والجهد، وتعزيز الاحتقان بين الناس.
ومن هذه المعارك، ما يدور بين بعض أهل السنة وبعض الشيعة، حيث يسخّر كل طرف طاقاته لإبطال مذهب الآخر، ويتبادل الطرفان الشتائم، ويدعو أحدهما على الآخر بالوَيْل والثبور، وقبائح الأمور، ثم تنشر الكتب في إبطال المذهب المقابل، وتفتح القنوات المختصة  لذلك، وينتقل هذا الصراع الفكري إلى صراع سياسي، ثم احتراب وقتل على الهوية واضطهاد من قبل كل طرف للآخر، والمشكلة الأساس قد حصلت قبل 1400سنة، ولا دخل لنا بما حصل من قريب أو بعيد. ونحن نتقاتل كمسلمين مع بعضنا، ومقدساتنا بيد عدونا، كرجلين يسكنان بجوار بعضهما في الطابق الأول، قامت عصابة  بطردهما من منزليهما، فصعدا إلى الطابق الثاني، وصارا يتقاتلان، ويضع كل منهما اللوم على صاحبه، مع أنهما لو اتفقا وقاما بمهاجمة العصابة لكان أنفع لهما.
ومن هذه المعارك، ما يحصل بين بعض المسلمين وبعض المسيحيين، أيهما أفضل، وأيهما سيدخل الجنة، هل يجوز لي أن أصبّح على المسلم، وهل يجوز للمسلم أن يسلم على مسيحي، هل يعزي بعضنا بعضا، وهل يساعد بعضنا بعضا؟ فيتصارع أبناء الوطن الواحد، وتضيع مسألة مكافحة الفساد والبطالة والفقر في غياهب ظلمات الاقتتال والتناحر.
إذن علينا أن نحذر من أية معركة جانبية تأخذنا من معركتنا الحقيقية العادلة.