الثلاثاء 26-03-2019
الوكيل الاخباري



معبر “التنف” وسؤال السياسة الأردنية

 



توقف المراقبون أمام التصریحات المقتضبة لوزیر الخارجیة ایمن الصفدي، بمؤتمره الصحفي المشترك مع وزیر الخارجیة الأمیركي مایك بومبیو بعمان اول من امس، والتي اشار فیھا إلى بحث قضیة معبر التنف، الذي تسیطر علیھ قوات أمیركیة حالیا، ودعوة الأردن إلى حوار أردني أمیركي روسي حول ترتیبات ”تحقق أمن حدودنا“ فیما یخص التنف وأیضا مخیم الركبان، في ضوء القرار بسحب القوات الأمیركیة من سوریة .    


لم یتسرب الكثیر من المعلومات لما جرى بالمحادثات مع بومبیو، حول قضیة ”التنف“، الذي یربط سوریة بالعراق، ویقع قریبا من نقطة الحدود الأردنیة المشتركة مع البلدین، لكن ھذه الفقرة التي وردت بالتصریحات طرحت من الأسئلة أكثر مما أجابت، وفتحت باب التكھنات والتحلیلات على مصراعیھ، على ھامش زیارة بومبیو، التي تأتي ضمن جولتھ للمنطقة، ویتصدرھا ملفا طمأنة حلفاء واشنطن بثبات استراتیجیتھا بالمنطقة رغم الانسحاب من سوریة، والسعي الحثیث لمزید من الاجراءات لمحاصرة إیران. ثمة إیحاء ربما أثارتھ تصریحات الوزیر الصفدي بأن ملء الفراغ الذي سیتركھ الانسحاب الأمیركي من ”التنف“ قد یكون موضع بحث على الطاولة، وأن دورا أردنیا یمكن أن یكون مطروحا بھذا السیاق.


ھذا الأمر أعتقد أنھ مستبعد تماما، لأنھ أولا یتناقض مع الاستراتیجیة الأردنیة التي اعتمدت منذ بدایة الأزمة السوریة، برفض الانجرار تحت أي ظرف للمستنقع السوري، عبر إرسال قوات أردنیة، وكلنا نذكر حجم الضغوط وربما الإغراءات بمرحلة ما من الأزمة لإقناع الأردن بإرسال قوات عسكریة، دون أن تنجح تلك الضغوط. لم تتغیر المنطلقات والثوابت التي حكمت الاستراتیجیة الأردنیة برفض التدخل بإرسال قوات لسوریة، بل العكس ھو الصحیح، حیث تعزز الأوضاع والظروف الحالیة مثل ھذه الاستراتیجیة والثوابت، فالأوضاع بسوریة تتسارع باتجاه الاستقرار الكامل مع توسع سیطرة الحكومة السوریة على أراضیھا أمام تراجع ”داعش“ وجبھة النصرة وغیرھا من تنظیمات.

كذلك، فإن الدول العربیة والأجنبیة تتجھ –كما تشیر التطورات والتسریبات السیاسیة- إلى إعادة العلاقات مع الحكومة السوریة، ما یصب بالمحصلة بھدف الاستقرار وانتھاء المشكلة الأمنیة بالنسبة للسیاسة الأردنیة بھذا البلد، لذا فلا مصلحة للأردن تحت أي ذریعة أو لافتة بتجاوز حدوده. معبر التنف من الجانب السوري، الذي تقیم فیھ الولایات المتحدة قاعدة عسكریة منذ نحو عامین، یبعد عن الحدود الأردنیة عدة كیلو مترات، أي أنھ یقع بین سوریة والعراق، في وقت یسعى الأردن جاھدا الیوم لتعزیز علاقاتھ التجاریة والاقتصادیة مع البلدین ، لذا لا یمكن تصور الدخول بأزمة مع البلدین عبر إدخال قوات عسكریة إلیھ.

وأیضا، فإنھ وبالرغم من تحفظات وانتقادات الأردن للدور الإیراني بالمنطقة فإن ثمة اختلافات جوھریة مع سیاسة أمیركا وترامب بالعلاقة مع إیران، حیث تضعھا الولایات المتحدة على رأس الأعداء والتحدیات لمصالحھا بالشرق الاوسط، فیما یسبق التحدي الإیراني بالنسبة للأردن قائمة من التحدیات والأخطار الاستراتیجیة الأخرى، وعلى رأسھا نسف إسرائیل للعملیة السلمیة وایغالھا بمصادرة الأراضي والحقوق الفلسطینیة، ما یشكل التھدید الأكبر للمصالح العلیا للمملكة.

كما أن ملف التحدي الاقتصادي والبحث عن تعزیز العلاقات التجاریة والاقتصادیة مع العراق وسوریة وأیضا عبر حدود الأخیرة إلى أوروبا، یتقدم على أولویة قرع طبول الحرب والحصار لایران. المصلحة الأردنیة فیما یخص الأزمة السوریة باتت ثابتة ومعلنة، ولا أعتقد أنھ یمكن الخروج علیھا لأسباب ذاتیة وموضوعیة كثیرة، وھذه المصلحة أعاد جلالة الملك تلخیصھا خلال لقاء وزیر الخارجیة الامیركي الثلاثاء، حیث جرى ”التأكید على ضرورة التوصل إلى حل سیاسي للأزمة السوریة یحافظ على وحدة سوریة أرضا وشعبا، وبما یضمن عودة آمنة للاجئین السوریین لوطنھم“.