الأحد 15-09-2019
الوكيل الاخباري



من أین تبدأ المشکلة؟





لا نحتاج لمتسوق خفي أو تحریات سریة لنحدد ونقیم واقع الخدمات في مؤسسات القطاع العام.

مشكلات القطاع تم تشخیصھا منذ سنوات طویلة؛ وبالمناسبة تشبھ إلى حد كبیر حال الأجھزة البیروقراطیة في عدید الدول العربیة وحتى بعض الدول الأجنبیة التي تعاني من الروتین الإداري وانخفاض الإنتاجیة.

 المشكلة تبدأ من نظام التوظیف الذي یفتقر للتنافسیة وھانحن نصر على تكریسھ وتعمیمھ على جمیع المؤسسات، ثم تمتد للأنظمة والتعلیمات التي تحكم الأداء الوظیفي، وغیاب برامج التأھیل والتدریب، والتقلیل من شأن الحوافز لتنشیط دورة العمل الإداري وخلق المنافسة في العمل.

اھتمامنا حالیا ینصب على مراقبة الأداء وجودة الخدمة، وكأننا بذلك نتعامل مع أعراض المشكلة ونتجاھل أسبابھا، فما أن تغمض عین الرقیب قلیلا حتى تعود دورة العمل لوضعھا السابق. تبنت حكومات سابقة برامج واستراتیجیات متعددة للاصلاح الإداري، لكن عملیة الإصلاح ھذه ظلت تراوح مكانھا؛ تتقدم خطوة للأمام وتتراجع خطوات مع تغیر الحكومات وتقلب الوزراء، حتى صارت وزارة تطویر القطاع العام لعبة الحكومات المتعاقبة، تحضر وتغیب حسب حاجات المحاصصة في التشكیلات الوزاریة.

في دول العالم المتقدمة یكاد ینتھي كلیا مفھوم القطاع العام والقطاع الخاص بما یتعلق بالمجال الوظیفي.

ھناك مفھوم موحد تفرضھ التحولات الاقتصادیة والاجتماعیة وھو سوق العمل، تخضع لشروطھ مجمل القوى العاملة وجیش الموظفین في القطاعین، سواء كان ذلك في أسس التوظیف أو مراقبة الأداء والترقیات والعقوبات، وبالاستناد لتشریعات تقدمیة تحفظ الحقوق والواجبات. بینما نحن في الأردن نتجھ لتبني فكرة عبقریة تخالف تماما حركة المجتمعات وتطورھا وھى إجبار مؤسسات القطاع الخاص على التوظیف من مخزون دیوان الخدمة المدنیة!

یبدو أننا لا ندرك بعد أن السیر في ھذا الطریق یعني تحمیل الحكومة ومؤسسات الدولة المسؤولیة الكاملة عن البطالة في البلاد، وتكریس مفھوم التوظیف كواجب على الدولة بدلا من سیاسة التشغیل التي تبنتھا الحكومة مؤخرا.

سنوات طویلة من التردد في إصلاح القطاع العام أثقلت مؤسساتھ بأمراض مزمنة، في غیاب شبھ تام لمعاییر مراقبة الأداء، ناھیك عن إغراق المؤسسات بسیل من الموظفین غیر المؤھلین، سمح لھم نظام الترقیات السائد بالتقدم على السلم الوظیفي واحتلال مواقع قیادیة لا تستقیم مع مؤھلاتھم المتواضعة.

ومع استمرار نزیف الكوادر المؤھلة للقطاع الخاص أو خارج البلاد، تعمقت أزمة الدوائر الحكومیة ولم یعد ھناك من یحمل على عاتقھ مسؤولیات الارتقاء بالعمل وتأھیل كوادر الصف الثاني لتولي المواقع القیادیة. وفعلت الواسطة فعلھا المدمر في التعیینات والترقیات قبل أن تتنبھ الحكومات متأخرة لھذا الواقع بعد أن تورطت سابقا في ھذه السیاسة.

یقتضي الوضع الحالي التفكیر بمعالجة جذور المشكلة ولیس أعراضھا الجانبیة، فتقریع الموظف العمومي وجرجرتھ للتحقیق والقضاء لا تؤدي إلا لشیطنة القطاع العام وتحطیم معنویاتھ، والبدیل التركیز على التأھیل والتدریب، ونظام حوافز یشعل المنافسة على جودة الأداء، ونظام صارم لتقییم الأداء.