الجمعة 20-09-2019
الوكيل الاخباري



مهمة أکبر من طاقة الحکومة





وزیر العمل نضال البطاینة رجل متحمس جدا للخدمة العامة، وكان یعد نفسھ لھذا المنصب منذ أن تسلم رئاسة دیوان الخدمة المدنیة. لكنني أخشى علیھ وعلى الحكومة من عواقب الاندفاع الشدید.

خلال رعایتھ حفل تكریم عمال الوطن في محافظة إربد ألقى الوزیر البطاینة كلمة قال فیھا إن ملف البطالة بشقیھ في القطاعین العام والخاص بات في عھدة وزارة العمل باعتباره ولأول مرة في تاریخ الحكومات یحتفظ بمنصبھ كرئیس لمجلس الخدمة المدنیة إلى جانب دوره وزیرا للعمل.

وزاد الوزیر بعبارات قاطعة ”إنھ یعتبر نفسھ مسؤولا مھنیا وأدبیا عن موظفي وعاملي وطالبي الوظائف في الدولة الأردنیة الذین ھم أمانة بالرقاب“.

 ھذا كلام طیب تطرب لھ القلوب والعقول، فماذا یرید الناس غیر مسؤول ”یعبط“ كامل المسؤولیة عن مشاكلھم ویتعھد بحلھا؟!

لكن ھل الحكومة قادرة فعلا على حمل عبء البطالة المتراكم منذ عقود طویلة؟ والسؤال الأجدر بالتوقف عنده، ھل الحكومة ھى المسؤولة حقا عن توفیر وظائف لطالبیھا في القطاعین العام والخاص؟

في ظل الأنظمة الاشتراكیة فقط تتحمل الدولة المسؤولیة عن تشغیل المواطنین، ولا أظن أن حكومة في عالمنا الیوم تأخذ على عاتقھا ھكذا مسؤولیة.

حكومة الرزاز ومن خلفھا مؤسسات الدولة تبنت نھجا مغایرا یعتمد سیاسة التشغیل بدل التوظیف، وأعلنت منذ البدایة أن الدولة لم یعد بوسعھا توظیف طالبي العمل كما كان الحال في السابق، ولھذا أخذت على عاتقھا مسؤولیة تدریب وتأھیل الشباب والشابات للانخراط والمنافسة في سوق العمل.

في الدول المحكومة بقوانین اقتصاد السوق كالأردن یكون التشغیل والتوظیف محكوما بمفھوم  سوق العمل والمنافسة المفتوحة على فرص العمل المتاحة.

مسؤولیة الحكومات تقتصر على تبني سیاسات محفزة للاستثمار وخلق فرص العمل، وتوفیر التدریب لحدیثي التخرج بالتعاون مع القطاع الخاص والنقابات المھنیة والعمالیة والروابط المدنیة المتخصصة. وإذا كنا ننوي المضي بالسیاسة المقررة من طرف الحكومة، یتعین علینا التفكیر جدیا بجعل المنافسة على الوظائف القلیلة المتاحة في القطاع العام تخضع لنفس المعاییر المتبعة بسوق العمل.

ما الذي یعنیھ انتظار أكثر من 380 ألف شاب وشابة على الدور في دیوان الخدمة المدنیة؟ أمران؛ الأول، نشجعھم على البطالة بانتظار الوظیفة الحكومیة. والثاني، عندما تمر السنوات دون أن یصلك الدور یملأ الغضب والحقد صدرك على الدولة فتصبح عدوك اللدود. ولم تغب عن ذاكرتنا بعد مسیرات المتعطلین صوب الدیوان الملكي ومقر الحكومة للمطالبة بوظائف.

حدیث الوزیر یكرس ھذه الثقافة، ویوجھ الأنظار للحكومة باعتبارھا المسؤولة عن توظیف وتشغیل الناس في القطاعین العام والخاص؟ ھل الحكومة مستعدة حقا لتحمل ھذه المسؤولیة وتبعاتھا السیاسیة؟ سیاسة الحكومات مسؤولة في العادة عن ارتفاع أو انخفاض معدلات البطالة، إلى جانب عوامل أخرى خارج سیطرتھا تؤثر بشكل مباشر على حركة الاقتصاد. لكن الحكومة لیست ھى الجھة المسؤولة عن توفیر فرص عمل لطالبیھا.

ھنا تتداخل عوامل كثیرة، تتصل بمعدلات النمو الاقتصادي وتوجھات المستثمرین والظروف السیاسیة، ولا ننسى الثقافة السائدة والتقالید المتصلة بالعمل في المجتمعات. لا أشك بصدق نوایا الوزیر البطاینة فھو مثل سائر الأردنیین یرید أن ینام ویصحو وقد انتھت كلیا مشكلة البطالة، لكن المھمة أكبر من طاقة حكومة.