الأحد 24-03-2019
الوكيل الاخباري



موجة جدیدة من ”الربیع العربي“.. الجزائر نموذجا

 



عندما اجتاحت الثورات العربیة العام 2011 عددا من الدول العربیة تركز الكثیر من ردود الحكومات العربیة حول استجابات مالیة أو تجمیلیة لا ترقى لمعالجة أسباب الثورات المتعلقة بغیاب الحاكمیة وشعور الناس ان صوتھم لیس ممثلا وان حكوماتھم فشلت في بلورة نظم تحاكي احتیاجاتھم.


ولم ترد ھذه الحكومات ان تعترف ان غیاب الحاكمیة ھو ما ادى لھذه الثورات، فتم نسب الثورات لتدخلات خارجیة في المنطقة في تجاھل سافر لفشل معظم الدول في بناء مجتمعات مزدھرة معتمدة على التعددیة وسیادة القانون وتطبیقھ على الجمیع دون محاباة للبعض على حساب الكل.


ولما لم تنجح ھذه الثورات في تحویل الاحتجاجات الى سیاسات تبدأ ببناء الدولة الحداثیة الدیمقراطیة المعتمدة على سیادة القانون والفصل بین السلطات، ورجع الناس الى منازلھم خوفا ان یحل بھم ما حل بسوریة أو الیمن أو لیبیا، اعتقدت الحكومات العربیة ان عامل الخوف ھذا یعني انتھاء الربیع العربي، فتسابق العدید من المسؤولین والمفكرین العرب لیحدثنا عن النتائج الكارثیة للثورات، وھو تشخیص مجزوء لانھ یتجاھل حقیقة دامغة ھي ان الناس ما كانوا لینزلوا للشارع لولا غیاب الحاكمیة، وان عامل الخوف من التداعیات التي حصلت في سوریة ولیبیا والیمن ومصر لا ینھي المشكلة ولكنھ یؤجلھا فقط.


ما یعالج الازمة ھو الاعتراف بفشل النظام السلطوي العربي في إقامة دول راسخة مستقرة ومزدھرة، وفشل سیاسات التنفیعات والواسطة وتجاوز القانون في إقناع المواطن العربي بعدالة التمثیل وتوزیع المكتسبات، وفشل ادارة الدولة العربیة بالطرق التقلیدیة في بلورة ثقة لدى المواطن العربي ان الدولة تعمل لمصلحتھ حتى في الحالات التي یكون فیھا ذلك صحیحا.


ھذا التشخیص ھو بدایة الطریق لوضع اللبنات الصحیحة لبناء دول عصریة تحترم مواطنیھا وتخلق لھم البیئة المناسبة لتقدم المجتمع وازدھاره دون احتكار لصنع القرار ودون تھمیش لمن تختلف معھ في الرأي.

 

ما یحدث الیوم في الجزائر دلیل صارخ ان الخوف لا یحل المشاكل، وان ھناك حدا لما یمكن ان یقبل بھ المواطن من سیاسات تستخف بعقلھ وتشعره ان الدولة مستعدة لفعل اي شيء، حتى لو كان مجافیا للمنطق، في سبیل ارضاء مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة. قیل الكثیر عن ان ما جرى في الجزائر في أوائل التسعینیات، ومقتل مئات الآلاف من الجماعات الإرھابیة والجیش حینذاك كان كفیلا بعدم انضمام الناس للموجة الأولى من الثورات العربیة، فلم تتغیر السیاسات، وھا ھي مئات الآلاف ترجع للشارع في مظاھرات سلمیة یقول لسان حالھا ان ھناك حدا لما یمكن ان یقبل بھ المواطن العربي. وھا ھو الرئیس الجزائري یجد نفسھ مجبرا للانصیاع لارادة الشعب في مشھد یذكرنا بزین العابدین بن علي وحسني مبارك.


غریب امرنا احیانا. نكابر لتجاھل اصل المشكلة في الوطن العربي، وھو السلطویة، ومعالجة التحدیات السیاسیة والاقتصادیة عن طریق الریع ولیس بناء الدولة الحدیثة. وقد استوقفتني یافطة لمتظاھر جزائري یسأل رئیس دولتھ عن عشرین سنة من الحكم لم یستطع خلالھا ان یبني مستشفى لیتعالج فیھا!


نستطیع ان نلقي مئات الخطب عن الآثار الكارثیة للثورات العربیة، وتستطیع قوى الوضع القائم اعادة انتاج نفسھا مرحلیا بحلل جدیدة، ولكن كل ذلك لن یمنع موجات اخرى ستكون اكثر دمویة واقل اعتدالا ان لم نبدأ بالانتباه للاسباب الحقیقیة التي دعت لھذه الثورات في الدرجة الأولى. ھذا بیت القصید. اما دفن الرؤوس في الرمال والاعتماد على عامل الخوف للجم الناس فلن یؤدي الا الى عواقب كارثیة بامتیاز.