السبت 23-03-2019
الوكيل الاخباري



وداعاً سي أحمد!

 



كنا وقتها نستعرض البراهين والاثباتات على جرائم الحرب التي قارفتها القوى الكبرى المعادية في حربها على العراق، وتعرفنا وقتها على اليورانيوم المنضّب الذي يفتك حتى الآن بأطفال العراق.. وكنا برئاسة الرئيس أحمد بن بلّه. وكان رئيس لجان التحقيق، المدّعي العام الأميركي السابق رمزي كلارك، رجل الشرف والحق.وقتها ونحن نصعد أدراج الفندق في العاصمة الإسبانية مدريد، ونهبطها ببعض العناء، كان «السي أحمد»، كما يحب أن نناديه على الطريقة الجزائرية، سريعاً وقوياً: ما شاء الله سي أحمد ما هذا الشباب، والتدفق والحيوية؟!.وببعض الحرج كان الرئيس بإيماءة ذكية يذكرنا بسجنه الطويل في الصحراء حيث كانت بعض عقوبته اقتصار طعامه على «الخبز والقفرة» والقفرة هي الزيت كما نسميه في مادبا والكرك!! خمسة عشر عاماً: صحراء، وخبز وزيت!!.وكان طعامه هذا، كما يعتقد، هو الذي أعطاه هذه الحيوية، بعد أن انهكه سجن فرنسا الرطب البارد!. ويضحك بأجمل تعبير في عينيه الصغيرتين اللامعتين!!.أمس، حين فجعت بوفاة أحمد بن بلّه عن ستة وتسعين عاماً من النشاطات الخيرة، والروح العظيمة المجندة لقضايا الأُمّة. وتذكرت عام 1996 حين اخبرني العزيز ليث الشبيلات صديق الرئيس أن السي أحمد هنا في عمّان وسيتوجه في اليوم التالي إلى بغداد ويريدك معه. وفعلاً كانت سيارات الديوان الملكي العامر مستعدة مع مجموعة من نواب، اليسار الإسباني. كان الطريق إلى طريبيل طويلة.. وكان أمامنا ساعات من الحديث، فقد كان مجموعة من المحققين العاملين في الإدعاء للنظر في جرائم الحرب قد أعدت تقريرها، وقد اعتذر المدّعي العام رمزي كلارك عن الرحلة الطويلة لأسباب صحيّة، فقد أردنا وضع الملف أمام الرئيس الراحل صدام حسين!!. وكان لنا ذلك!!.في طريق عودتنا، حاولت اقناع الرئيس بالحديث عن مراحل ومفاصل حياته، وكان مقيماً في جنيف – بسويسرا. وقد وافق على الفكرة مبدئياً، بحيث يستغرق عملي معه ثلاثة أيام، نتحدث في مسجّل.. ويترك لي أشهر الكتابة، وكان في ذهننا رياض نجيب الريس الناشر الممتاز في لندن!وقد تهاتفنا عدة مرات لنحدد وقت لقائنا في جنيف، لكنني لاحظت أن الرئيس يحب أن تكون طريقه إلى الجزائر مفتوحة.. فهو يعرف عقل الديكتاتور وشكوكه.. والرجل كانت الجزائر روحه!!.لم الح على السي أحمد، فتركنا الفكرة إلى وقت أفضل.أريد هنا أن أقول: إن الحسين رحمه الله كان يحب الرئيس الراحل، فقد وسمه بوسام رفيع، وكان ضيفه في كل وقت. وفي لحظات حزن صامت كنت استمع إلى نبأ تعزية عبدالله الثاني بالرئيس بن بلّه وهو ينعاه إلى رئيس الجزائر وشعب الجزائر. فنحن نقدّر جيل المناضلين العرب من أجل حرية الوطن العربي وإنسانه!.