الأحد 17-02-2019
الوكيل الاخباري



100 يوم من التزبيط؟!





المسؤول في بلدي اصبح یتنقل بین المناصب اكثر من تنقل بكم الغاز بین الحارات، فقد احالت الحكومة موظفا بمنصب كبیر على التقاعد في الصباح، ومن ثم قامت بتعیینھ بمنصب كبیر آخر في المساء، أي ان الرجل في اللحظة التي كان یتلقى بھا رسائل المواساة بأنھا استراحة المحارب، لم تكن بالمقابل الحكومة تسمح لھ حتى باستراحة شاي!

مع انني خرجت لتركیب بواجي للسیارة تزامنا مع توقیت خروج ھذا المسؤول من منصبھ، ھو عاد مدیرا في المساء وانا الى الآن عند المیكانیكي نشرب الشاي حتى نكتشف فقط احدى البوجیات المعطوبة!

الذي یصاب بالرشح یحتاج الى ثلاثة أیام من الراحة واللیمون والاقامة الجبریة تحت اللحاف مع استھلاك نصف انتاج شركة فاین حتى یستطیع العودة الى حیاتھ الطبیعیة، بینما بعد ثلاث ساعات من تقاعد ھذا المسؤول عاد الى منصب آخر أي أنھ لم یدخل منزلھ متقاعدا مع انھ تقاعد..


ما یحیرني في مثل ھذه التعیینات التي تتجاوز سرعة الضوء ھو فقط ماذا نقول لھ: ھل كفیت ووفیت؟! ام بكم تزھو المناصب.. فحتى الخلایا العصبیة للمقربین منھ أصابھا خلل فني فھي لم تدرك بعد ھل تعطي أوامر للعین بأن تذرف الدموع على خروجھ، ام للشفتین بأن تضحك وتبتسم على اعادة تعیینھ.. لانھ حتى في مباریات كرة القدم یعطى اللاعبون استراحة بین الشوطین مدتھا ربع ساعة، بینما لم تسمح الحكومة لھذا المسؤول ان یلتقط حتى انفاسھ بین المنصبین!


منذ اسبوع قمت بتوصیة خضرجي الحارة على كم كیلو رمان حلو وما یزال یبحث لي عن الرمان، بینما الحكومة في ساعات بحثت وتقمصت ووجدت الرجل المناسب في المكان المناسب، ففي حكومات النھضة تجد أن خروج قرار تعیین القیادات العلیا في الدولة أصبح أسرع من خروج تقریر فحص الدم!

حین رفعت الضرائب على المواطنین بأكثر مما قامت برفعھ رافعات في میناء العقبة من حاویات قالوا لنا ان المقابل سیكون خدمات وعدالة في التعیینات ومحاربة الواسطة والمحسوبیات. فكان الرد ان معظم التعیینات الاخیرة في مناصب الدولة ارتبطت اما بصدیق او شقیق مسؤول، لنثبت ان حكوماتنا لا تحتاج الى 100 یوم مھلة لتخطط بل ما تحتاجھ 100 یوم فقط لتزبط! نعم عادوا بنا الى العصور الوسطى والى عھد المقایضة، مشیني بمشیك.. ھاي بدل ھاي..

وآخر العروض المغریة الیوم لیست على علب الفول ولا على صوبات الكاز ولا على حلیب الاطفال شعورا مع الفقراء، بل العرض الساري الآن على المناصب التي تمنح لـ“تسھیل“ عمل الحكومة، وذلك شعورا مع الموازنات والقوانین وكل ما یمرر!

كم یثیر ذلك الیأس بین الناس وعدم الثقة بكل إجراء حكومي فالعقد الاجتماعي الموعود أصبح عقد تعیین، فالموسرجي لا یصلح ان یعمل كھربجي، والمھندس لا یقوم بفحص الغدة الدرقیة، والطیار لا یمكن ان یصنع سیخ شاورما، فلكل منھم اختصاصھ.

الا في مناصب الدولة، فمدیر الارصاد الجویة ممكن ان یعین مدیرا للضمان، ومدیر الاراضي ممكن نقلھ مدیرا لھیئة تنظیم قطاع الاتصالات، ومدیر دائرة الاحصاء العامة ممكن تكلیفھ بمھام مدیر عام ھیئة الطاقة الذریة! أتدرون لماذا؟!.. لأنھم مدركون أن لن یكون ھناك اي انجاز او تقدم او ازدھار قد یلمسھ المواطن، فلیكن اذا تزبیطا یلمسھ الرافعون والمقربون والاخوة الصامتون الموافقون!