الإثنين 2026-09-28 10:12 م
☰

البتراء… منها مرَّ الزمن… ولم يغادرها.

البتراء… منها مرَّ الزمن… ولم يغادرها.
موسى الزول
05:45 م

الوكيل الإخباري-   البتراء…
منها مرَّ الزمن… ولم يغادرها.

اضافة اعلان


من هنا، من خاصرة الأردن الجنوبية، مرَّ الزمن ذات يوم… ثم مضى دون ان يغادر صخرها؛ وبقيت البتراء واقفة، كأنها لم تكن مدينة عبرتها القوافل، بل ذاكرة صخرية أودع التاريخ فيها بعض أسراره… تختبئ خلف ممرٍّ ضيق،  كأن الأرض أرادت أن تؤجل لحظة الدهشة،  حتى يخرج الزائر من ضجيج الطريق إلى عالم آخر؛ 

جبالٌ من الحجر الرملي الوردي، 
ترتفع كجدران تحرس الحكاية، وتبدّل ألوانها مع الضوء، 
فتارةً بلون الفجر، 
وتارةً بلون الورد، 
وتارةً بلون الغروب.

هنا، لم يرَ الإنسان في الجبل عائقاً، بل رأى فيه بيتاً ومعبداً ومدينة وذاكرة. 
نحت في الصخر، 
لكنه في الحقيقة كان ينحت لنفسه مكاناً في الزمن.
وما أعظم الإنسان حين يواجه قسوة الطبيعة بالفكرة، وشحّ الماء بالحيلة، ووحشة الجغرافيا بالإرادة.

نحن نقف اليوم أمام الواجهات المنحوتة بإعجاب، ونحتفي بجمالها، لكن المعنى الأعمق يبدأ حين نتأمل ما فعله أولئك الذين عاشوا هنا كي يبقوا.
فالبتراء لم تكن قصراً حجرياً، بل استجابةً ذكيةً لشروط الحياة. 
خلف جمالها كانت هناك قوافل تحتاج إلى الطريق، 
وأسرٌ تنتظر الماء، 
وأرضٌ قاسية لا تمنح خيراتها بسهولة.
فَهِمَ أهلها المطر والسيول، وشقّوا القنوات، وأقاموا الحواجز، وخزّنوا المياه، وحوّلوا الندرة إلى فرصة، والخطر إلى مورد، والصحراء إلى مدينة قادرة على استقبال الحياة.
وحين تهطل الأمطار اليوم، فتنساب المياه بين الجبال الوردية، وتتشكّل الشلالات المؤقتة على جدرانها، تبدو البتراء كأنها تستعيد نبضها الأول؛ 
وكأن الطبيعة ما زالت تروي قصة ذلك التآلف النادر بين الحجر والماء والعقل البشري.

ومن موقعها على طرق التجارة القديمة، لم تكن البتراء منعزلةً في الصحراء، بل ملتقى للعالم؛ تمر بها البضائع واللغات والأفكار، فتغدو المدينة أكثر من عمران منحوت، وتصبح شاهداً على قدرة الإنسان على تحويل الموقع إلى حضارة.

واليوم، بينما يتقدم الأردن في تقديم مواقعه الأثرية والعمرانية للعالم، تبقى البتراء قلب الحكاية. والفعاليات والحفلات نافذةٌ من نوافذ التعريف، لكنها لا تختصر كل ما يمكن أن يقال.
فالمكان العظيم يحتاج إلى أفلام تحكي روحه، 
ومحتوى رقمي يقرّب حكايته، 
وعدسات ترى ما وراء الصورة، ومبدعين ينقلون إلى العالم دهشة المكان لا شكله وحده…
ولعل تجربة صانع المحتوى الأردني جو حطّاب تقدم مثالاً على قوة الصورة حين تُحسن رواية المكان؛ فقد أعاد تقديم البتراء من زوايا بصرية مختلفة، فبدت لكثيرين كأنهم يكتشفون المدينة الوردية للمرة الأولى… وقد تجاوزت مشاهدات المقاطع المرتبطة بتجربته ملايين المشاهدات، في تأكيدٍ على أن عدسةً مبدعة قد تفتح أبواباً لا تفتحها منصات الترويج التقليدية.
فالبتراء لا تحتاج إلى زينةٍ تخفيها، بل إلى عينٍ تُحسن رؤيتها، وحكايةٍ تليق بها. 
إنها لا تقول للعالم: انظروا كم نحن عظماء، 
بل تهمس من بين صخورها:
إن الإنسان، مهما قست ظروفه، 
يستطيع أن يبني من الجبل مأوى، 
ومن المطر حياةً، 
ومن الصحراء جسراً، 
ومن أثره رسالةً لا تموت.

من هنا مرَّ الزمن… 
ومن هنا، أيضاً، 
يمكن أن يبدأ المستقبل.

بقلم رصاص✏️

مقال موسى الزول

gnews

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة