الثلاثاء 19-03-2019
الوكيل الاخباري



الرياح والشمس والناس

 



خلال سنوات قليلة، أنجز الأردن خطوات اختراقية جيدة في ملف الطاقة، بعد سنوات من الارتجال السياسي والاقتصادي الذي راكم حمولة قاسية من المديونية، جاء معظمها بفعل الإرباك في التعامل مع ملفي الطاقة والسياسة. وافتتاح مشروع رياح الطفيلة يوم الخميس الماضي، هو خطوة كبيرة على هذه الطريق، تُدخل الأردن بقوة إلى نادي طاقة الرياح؛ إذ من المفترض أن تشكل الطاقة النظيفة خلال السنوات الأربع المقبلة نحو 10 % من مزيج الطاقة الأردني.حقول الخلايا الشمسية الشاسعة المنتشرة على امتداد الصحارى الأردنية؛ من معان إلى الصحراء الشرقية وصولا إلى المفرق، ومزارع التوربينات أو المراوح الضخمة لتوليد طاقة الرياح، التي بدأت أولاها من الطفيلة ومعان، وقريبا في بلدة الراجف الجنوبية، تدل على أن الذهب والبترول الحقيقيين يكمنان في عقول البشر، وعلى قدرة الإرادة السياسية إحداث الفرق، ليس الاقتصادي فحسب، بل أيضا السياسي والاجتماعي. وإذا ما أخذنا معطيات الاستراتيجية الوطنية للطاقة وما تم إنجازه خلال السنوات القليلة الماضية في البرنامج النووي الوطني، وفي مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فيكون من المفترض أن هذا التحول في مصادر الطاقة -ونقصد الانتقال إلى مصادر وطنية تحت السيادة الوطنية- سيحدث تحولات مهمة أخرى يجب أن نحسب حساب بعضها، وأن نطالب بأخرى.أهم هذه التحولات التأثير المفترض لهذه المشاريع الضخمة على المجتمعات المحلية التي تنفذ (هذه المشاريع) في محيطها. وإلى اليوم، لا توجد رؤية واضحة، سواء من قبل الحكومة أو من قبل إدارات هذه المشاريع، لطبيعة العائد الاجتماعي والتنموي لمشاريع الطاقة على المجتمعات المحلية في هذه المحافظات. فنحن نتحدث عن استثمار كبير بالمقاييس الأردنية في رياح الطفيلة؛ نحو 287 مليون دولار. كما نتحدث عن مشاريع طاقة في محافظة معان موجودة على الأرض حاليا، تجاوزت الاستثمارات فيها نصف مليار دولار. وأيضا استثمارات كبيرة في محافظة المفرق. ولو أخذنا هذه المحافظات الثلات، وهي الأكثر فقرا (حيث تصل نسب الفقر فيها إلى 25 %، وترتفع فيها نسب البطالة إلى أكثر من 20 %، وأكثر من 30 % بين الشباب تحديدا)، فإن السؤال الأهم الذي يتجاوز العائد الوطني لهذه المشاريع على قطاع الطاقة، يبدو في العائد المتوقع على التنمية المحلية لهذه المجتمعات.لا توجد خطط واضحة للاستثمار التنموي والاجتماعي الموازي. ولم تلتفت التشريعات التي نظمت هذه الاستثمارات الضخمة إلى المجتمعات المحلية بجدية، إذا ما علمنا أن استثمارات الطاقة النظيفة الضخمة وذات العائد الجيد ليست قطاعات واسعة التشغيل. فعلينا أن نتنبه إلى أن استثماراً بحجم 100 مليون دينار في الطاقة المتجددة، لا يوفر من الوظائف الدائمة سوى 25 إلى 30 وظيفة، وهي وظائف تقنية، غير متوفرة عادة في المجتمعات المحلية.الاستثمارات في قطاع الطاقة النظيفة في المحافظات، تجاوزت قيمتها مليار دولار. ومن المتوقع أن تتضاعف هذه الأرقام ثلاث مرات خلال السنوات القليلة المقبلة. والغائب وسط هذا التحول المهم هو المجتمعات المحلية. ما يتطلب الانتباه مبكرا للعائد التنموي المحلي، حتى لا نكرر ما حدث في "الفوسفات" وغيرها، حينما بقيت تلك الاستثمارات جزرا معزولة عن المجتمعات المحلية، ثم حولنا المسؤولية الاجتماعية والتنموية، تحت الضغط الاجتماعي والسياسي، إلى نمط بائس من الأعمال الخيرية والتشغيل السلبي.يمكن تصور عائد اجتماعي وتنموي ضخم لهذا القطاع على المجتمعات المحلية، كما على الاستثمارات، إذا بنيت علاقة واضحة تكفلها القوانين، وتتجاوز العواطف والصدقات.