الأحد 09-08-2020
الوكيل الاخباري



شكرا لكم أيها «المتسامحون»




تحت عنوان «سامح» تحركت بعض الشخصيات الاردنية الدائنة للتنازل عن الاموال التي ترتبت لها على بعض اخوانها المدينين الغارمين، صحيح ان الخطوة ما تزال حتى الان متواضعة، كما ان الذين استفادوا منها لم يتجاوزوا العشرات من بين مئات الالاف من « الغارمين والغارمات» الذين انسدت امامهم ابواب الامل بدفع ما عليهم من ديون، لكن الصحيح ان هؤلاء الموسرين الطيبين فتحوا باب الخير، وسنوا «سنة» مباركة نتمنى ان تلهم غيرهم على المضي فيها.

الاصل انه حين تتراجع الحكومات عن القيام بدورها، يُفترض ان تنهض المجتمعات، بمؤسساتها وأحزابها وبناها الاجتماعية، لسدّ الفراغ وتعوض النقص، وفي تاريخنا العربي والاسلامي، دعك من تجارب الامم الاخرى، نماذج كثيرة اثبت فيها المجتمع ذلك.

خذ مثلا نظام «الوقف» الذي ازدهر في العصور التي انشغلت فيها الدولة بالفتوحات والحروب، او انسحبت من بعض وظائفها، مما دفع الاثرياء والمحسنين الى وقف اموالهم واملاكهم لحساب التكافل مع الناس،خذ ايضا دور المصرف المصري مثلا وصاحبه في التنمية التي حصلت في مصر، ودور الرباطات التي انشأتها المتصوفة في بلادنا العربية لاعانة الفقراء والمساكين، ودور النهضة السياسية التي ارتبطت بمرحلة الاصلاح وروادها امثال الافغاني ومحمد عبده وغيرهم.. الخ.

للاسف، تراجع كل هذا الى حد كبير ، وبتنا اليوم نشعر بأن الحالة التي انتهت إليها مجتمعاتنا تبعث على الشفقة، خاصة بعد ان دخلت علينا رياح الخصخصة، واستقالت الحكومات من كثير من ادوارها، وتركت الناس يتامي امام غول الاسواق وارتفاع الاسعار، وفوضى المستثمرين الجدد، وما طرأ على قيمنا من تحولات وتشوهات.

كان يفترض ان يبدع المجتمع، بما يمتلكه من وسائل وأدوات ردودا مقنعة على تساؤلات الناس الحائرة، وان يجد ما يناسب من بدائل لتعويض الانسحاب الذي حصل، الاثرياء كان يمكن ان يحييوا تجربة الوقف، مؤسسات المجتمع الاخرى والنقابات والجمعيات كان يفترض ان تمارس دور الحسبة والرقابة وان تفعل حضورها للجم التشوهات التي اصابت البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلدنا.

هذا لم يحدث مع الاسف، ما فتح الباب امام حالة من الفوضى الاجتماعية، والفقر السياسي، والتشوهات، والازمات الاقتصادية: حالة - ان شئت - من الشعور التيه واليُتم والقلق، عبّرت عن نفسها - احيانا - بالجنوح الى العنف، او - احيانا اخرى - بالانسحاب من العمل العام والحياة والسياسة ايضا، وانتهت بالناس الى البحث عن بدائل ذاتية، تجاوزت المؤسسات والقوانين والتقاليد، ورسخت وعيّا جديدا من الاعتماد على الذات بصورته السلبية، او صورا من الانتقام اللاشعوري من المجتمع، او احوالا من البؤس الاجتماعي والعودة الى الدوائر القديمة لحل ما ينشأ من مشكلات، او مواجهة ما يستجد من اخطار.

لقد تزامن - للاسف مرّة اخرى - تهميش دور الحكومات وتقليص واجباتها، مع تهميش دور المجتمع وضرب بُناه ورموزه ومؤسساته، الامر الذي ترك الناس وحيدين في مواجهة الواقع، بكل ما فيه من نوازل ومصائب، ومواجهة المستقبل بكل ما يطرحه من اسئلة مزعجة.

على كل حال، شكرا لاخواننا «المتسامحين» الذين قدموا لنا هذه المبادرة، فقد طمأنوننا على مجتمعنا أنه لا يزال يتمتع بشيء من العافية.