السبت 13-07-2024
الوكيل الاخباري
 

خريف النخب.. والوطن!




لنعترف بأننا نعيش زمنا غائم الرؤية، تبدلت فيه كثير من المفاهيم والثوابت التي كان من المفترض أن تكون راسخة. أولى تلك التبدلات حدثت على مفهوم “النخبة” التي تعرضت إلى “انزياحات” خطيرة غيرت من شكلها وصفاتها ومهامها.اضافة اعلان


مفهوم الانتماء هو الآخر طاله التغيير، رغم أنه يتوجب أن يكون مفهوما راسخا لا يقبل القسمة على اثنين، ويتوجب أن يكون الوطن بوصلته الوحيدة والمطلقة، وينبغي أن يكون مصحوبا بالأفعال النابعة من تحقيق الصالح العام، ببذل كل جهد ممكن في هذا السياق.

بالتأكيد، لا أحاول الطعن في ولاء وانتماء أي مواطن أردني ممن تحمل وعانى وما يزال يعاني جراء تحمله لكل الموبقات البشعة التي ارتكبتها الحكومات المتعاقبة، والتي تقاعست عن تأدية واجبها، أو أنها فشلت في كيفية إيجاد حلول ناجعة من شأنها النهوض بالأردن وأهله، وتوفير احتياجاتهم الأساسية من تعليم وصحة ونقل، ما داموا يؤدون ما عليهم من ضرائب والتزامات رغم ارتفاعها غير الطبيعي.

رغم ذلك، لا يمكن قبول أن تكون الأولوية في الانتماء للعشيرة أو لتيار سياسي مهما كان اتجاهه، أو لأجندات خاصة تعبث بها أموال التمويل الخارجي ممن يسرحون ويمرحون في البلد دون رقيب أو حسيب.

في حالات الانتماء المشوهة هذه، لن تهدأ البلد، ولن تخرج من الظلمات التي تعيش في أعماقها، بينما ندفع نحن ثمن ذلك الآن، وسيدفع أولادنا ربما ثمنا أكبر في المستقبل.

في حادثة النائب السابق أسامة العجارمة رأينا كيف خرجت أزمته من أروقة قبة البرلمان إلى الشارع، وقد احتمى بعشيرته وبالعشائر الأردنية على حساب اللجوء إلى النظام الداخلي لمجلس النواب، أو حتى للقانون الأردني الذي هو المظلة التي يجب أن يحتمي بها الجميع، وقد أدى هذا السلوك إلى أن فوضى جزئية عاناها البلد لفترة، شهدنا خلالها عدم استقرار أمني، حاولت جهات خارجية استغلاله، فيما حاولت تيارات داخلية استثماره.

الأمر لم يختلف كثيرا في حادثة النائب حسن الرياطي، الذي من المفترض أن تنظر اللجنة القانونية في مجلس النواب فيما حدث الأسبوع الماضي من اشتباك خلال جلسة كانت من المفترض أن تعقد لمناقشة التعديلات الدستورية.

النائب الرياطي قد تبرئه اللجنة وقد تدينه، والأصل أن يتقبل قرارات اللجنة باعتباره جزءا من أهم مؤسسة تشريعية في الدولة!

لكن يبدو أن العصبية للحزب والعشيرة هي الأساس في منظوره، حيث شاهدنا كيف تم استقباله من قبل أنصاره في محافظة العقبة باعتباره فاتحا منتصرا في معركة عنوانها الوطن والمواطن، وكأنه ليس جزءا من صورة بشعة لحادثة نقلت تفاصيلها جميع فضائيات العالم، وكانت ملاذا لبرامج كوميدية وفرت الضحكة لمتابعيها!

النخب اليوم، باتت تحتمي بالعشيرة والتيار والحزب، على حساب قضايا مفصلية يفترض أن تكون أولوية وطنية، وبات خطابها وسلوكها شعبويا بحتا، حتى لو أضر ذلك بالصالح العام وصورة الوطن. إنه زمن متبدل، وغائم الرؤية كما أسلفنا، تعيش فيه النخب خريفا واضحا تماما!

أي بطولة هذه التي تجعل تيارا ما يعاند القانون ويوافق على ما جرى ويذهب لحمل هذا النائب على الأكتاف، وما هو انتماء هذا التيار؟

باختصار، هذا عبث واضح، وليس من حق مجلس النواب أن يتجاوز نظامه الداخلي ويكتفي بجولات الصلح التي دارت رحاها في أروقته على مدار الأيام الماضية من أجل طي الصفحة، فلا بد من أن يدفع المخطئ ثمن الصورة التي روجت عن الأردن وبرلمانه في أرجاء العالم، ولا بد من تطبيق القانون حتى يدرك الجميع أنه ما من أحد أكبر من الدولة، سواء كان حزبا أو تيارا سياسيا أو عشيرة.