الثلاثاء 18-02-2020
الوكيل الاخباري



هل بمقدورنا أن نفعل ذلك؟




يبدو اننا مازلنا نراوح بين «الحياد السياسي « و «الانكفاء السياسي» . الفارق بين الخيارين (الاضطرارين : ادق) هو ان حركة السياسة كانت في بلدنا فيما مضى تتعامل مع الاحداث بمنطق «مقص الجراح» حيث العملية محسوبة بدقة والتدخل ان لزم الامر محدود، والمهارة مطلوبة، لكن مع التحولات التي طرأت على المنطقة وغيرت ملامح التحالفات لم نجد امامنا سوى الانكفاء وعدم التدخل، والاكتفاء بالمراقبة والمتابعة وانتظار النتائج.

الانكفاء السياسي عن جبهات التوتر العربي والاقليمي يبدو مفهوما في سياق الارتباك والفوضى التي تشهدها المنطقة، كما انه يعبر عن احساس الاردن بلا جدوى المبادرات او الانحيازات لطرف على حساب طرف آخر لكنه من جهة اخرى يعكس خيبة الاردن في رهاناته على اطراف كان يعتقد انها ستتعامل معه بمنطق الفهم والتقدير لظروفه ومواقفه كما انه يضع المصالح الاردنية امام زوايا حادة تستوجب الاستدارة الكاملة نحو المراجعة والبحث عن الدوافع ثم ترتيب الاوراق من جديد.

الاهم من ذلك ان مرحلة الانكفاء على الذات تزامنت مع ازمة اقتصادية خانقة نعاني منها بمعنى ان تعطل حركة عجلة السياسة سينعكس سلبا علي الاقتصاد في سياق المساعدات او المقايضات المفترضة وبالتالي فان الاردن – كما اعلن اكثر من مسؤول رسمي – سيجد نفسه مضطرا للاعتماد على الذات ومعالجة مشكلاته بيديه..

تاريخيا تعرض الاردن لمثل هذه الاجواء، ووجد نفسه محاصرا في اكثر من محطة بسبب مواقفه التي تمايزت عن غيره، وفي كل مرة كان يتحرك باتجاه «الكبار» الذين يديرون اللعبة في المنطقة، لكن مع اختلاط الادوار في العالم وانعكاسات ذلك على عالمنا العربي والاقليم، اصبحت هذه الحركة محدودة؛ ما سيرتب على بلدنا اضطرارات اصعب.

لا يملك الاردن – بالطبع – ترف العزلة والانكفاء، وإن كان من مصلحته ان يمارس دور الحياد، وعدم التدخل في بعض الملفات التي ليس لها تماس مع مصالحه العليا، لكن المسألة هنا تتجاوز ما نريده ونفكر به الى ما فعلناه بانفسنا على مدى السنوات الماضية، وما أصاب العالم العربي من نكبات ندفع ثمنها باعتبارنا جزءا منه، ثم ما جرى على صعيد التطورات السياسية «البرجماتية» لبعض الدول التي كنا نتقاسم معها التحالفات والادوار، أو نعلق عليها الآمال. يمكن ان نستفيد من عملية الانكفاء المؤقتة اذا ذهبنا الى عنوان واحد؛ وهو تصليب الجبهة الداخلية والانشغال بها ايجابا؛ ليس فقط على صعيد ترتيب الاوضاع الاقتصادية، او تقوية الامن والسلم الداخليين، والاستقرار وانما ايضا على صعيد دفع حركة السياسة للامام وبناء ارضية تشاركية بين الدولة والمجتمع واستعادة الهمة والامل للناس خصوصا فئة الشباب واطلاق مشروع وطني جامع على اساس المواطنة والعدالة وحسم الملفات العالقة التي جرحت ثقة الناس ببلدهم.

هذا بالطبع يحتاج الى تغييرات جوهرية في السياسات، وفي الاشخاص ايضا، كما يستلزم الخروج من وهم الاحساس بالضعف، أو الرهان على قطار صبر الناس الذي لا ينفد.

تبقى ملاحظة اخيرة وهي ان بعض الدول حين انكفأت على نفسها تحركت على الفور للانفتاح على المجتمع والاستثمار في طاقاته وخبراته، فعمدت مثلا لتشكيل لجان وطنية من اشخاص موثوق بهم لوضع استراتيجيات توافقية لتصحيح المسارات ومواجهة الأخطار... فهل بمقدورنا ان نفعل ذلك...؟