السبت 07-12-2019
الوكيل الاخباري



الصحافة الورقية وفرص البقاء




العلاقة بيني وبين الصحافة قديمة جدا فقد شاركت ومنذ أن كنت طالبا في الصفوف الابتدائية في بيع الصحف خلال العطل الصيفية والفصلية. كان ذلك قبل ولادة المؤسسة الصحفية –الرأي بسنوات فقد كانت جريدة الصباح والدستور الصحيفتين الاوسع انتشارا في نهاية الستينيات من القرن الماضي. في تلك الايام كنا نفرد الصحف على ارصفة الشوارع ويقف بعض الفضوليين ممن لا يرغبون في شراء الصحيفة لتصفح العناوين قبل وصولهم الى مكاتبهم واعمالهم. لاستثارة هذه الفئة من القراء كنا نختار بعض العناوين المثيرة وننادي بها بأعلى صوت مما قد يدفع هؤلاء القراء لشراء الصحيفة التي كنا نبيعها بـ20 فلسا.

الصحافة ورؤساء التحرير كانوا شديدي الحرص على حشد اكبر عدد من العناوين المثيرة في الصفحة الاولى. اخبار الدولة والسياسات العامة تتقدم على كل الاخبار تليها الاخبار العربية والدولية التي غالبا ما تطبع باللون الاحمر. غالبية القصص تشتمل على عناصر الخبر ويجري تقديمها بقوالب جذابة حيث تستخدم الصورة والعنوان كعناصر للجذب ويعطي للقصة حيزا لا يسمح بنشر اكثر من بضع كلمات قبل ان تظهر عبارة” البقية على الصفحة رقم…”.

كنتيجة لهذا الاخراج وحاجة القارئ الى الاخبار ومصداقية وحرفية الوكالات والكتاب والمحررين كانت قراءة الصحيفة عملية وطقسا لا يخلو من المتعة والتسلية واشبه ما يكون بالاستعراض الاكروباتي الذي يقوم بها اللاعب المحترف هذه الايام فتجد القراءة عملية طويلة يتخللها منظر تقليب الصفحات لمتابعة الخبر او القصة وخشخشة للاوراق وحديث مع من يحيطون بمن استحوذ على الصحيفة او انتزع بعض صفحاتها لقراءة اسماء الاموات او لحل الكلمات المتقاطعة وقراءة الابراج.

الطقس اليومي الذي كان يمارسه الناس في الشارع والمكتب وعلى طاولات المقاهي وبرندات البيوت العمانية لم يعد موجودا اليوم. فقد حلت المواقع الاخبارية مكان الصحف وتجمدت الصحافة عند المراحل الاولى لوجودها دون جهود او مبادرات كافية للتطوير والتجديد وكسب الجمهور. في حالات كثيرة انزلقت الصحف واصبحت تعتمد في ما تنشره على الاشاعات والاقوال غير الموثقة مما افقدها الكثير من مصداقيتها وسمعتها التي اسست لها اجيال من الرواد.
في بلدان اخرى استفادت الصحف الورقية من ثورة المعلومات والاتصالات فقد كرّست الكثير من الوقت والجهد لإعداد قصص وتحقيقات وحوارات معمقة تصل الى ما لا تصل له الوسائل الاخرى وتشكل قاعدة يعود لها القراء والمحللون وتشكل مرجعية يمكن العودة لها من قبل الباحثين والمقررين.

مع كل المنافسة القائمة بين وسائل الاتصال والصحافة ما تزال النيويورك تايمز والواشنطن بوست والاهرام مصادر مهمة للمعلومات والتوثيق كونها ترتبط بمراكز دراسات واستطلاعات قادرة على دراسة وفهم وتحليل الواقع وملتزمة بمنهجية صارمة في التحقيق والمتابعة للاحداث والقضايا العالمية بعيدا عن التبعية والانحيازات التي تقع فيها الصحافة غير المستقلة في بلدان العالم النامي.

الصحافة الورقية التي كانت المصدر الاول والاهم للاخبار والقصص والتوعية والتثقيف تعاني اليوم من تحديات تتجاوز قدرتها على التكيف. في مجتمعات تعاني الكثير من الازمات الاقتصادية والتجاذبات السياسية تجد الصحافة الورقية نفسها عالقة بين خيار الالتزام بالمعايير المهنية والاخلاقية او الدخول في لعبة السبق الاخباري على حساب الدقة والموضوعية والمعايير المهنية.