الأحد 20-01-2019
الوكيل الاخباري



مخيم الزعتري .. البعض يرحلون إلى الغرب، والكثيرون يمدون لأنفسهم جذوراً



الوكيل الاخباري - الوكيل الاخباري- مخيم الزعتري للاجئين السوريين، الأردن- أصبحت الدراجات الهوائية هي الحاضر الضروري الجديد في أكبر تجمع للاجئين السوريين في العالم، من الذين فروا من الحرب الأهلية الدامية في بلدهم. وتذرع الآلاف منها الطرق القليلية المعبدة في هذا المخيم، بالإضافة إلى امتدادات من التراب الصخري. البعض منها مزودة بمحركات كهربائية صغيرة لزيادة الفعالية، وأخرى مزودة بالمقاعد الإضافية والصناديق التي تستخدم عادة لنقل الحليب لتحمل مواد البقالة، والمراوح الضخمة، والأطفال الصغار.الرجال البالغون يركبون دراجات هوائية ذات لون وردي حار، ويقرعون الأجراس المعدنية ليفتح لهم المارة الطريق، بينما يتجهون إلى أعمالهم في السوق مترامية الأطراف، أو لأداء أعمال وظائفهم الصغيرة لحساب وكالات الإغاثة. والفتيان يزينون دراجاتهم باللافتات والملصقات، والريش والمرايا المقصوصة على شكل قلب. وقد أصبحت الرحلة التي كانت تستغرق ساعة كاملة إلى السوبرماركت على مشارف المخيم تستغرق الآن 10 دقائق فقط بعد الركوب على عجلتين.يقول لؤي الحاج علي، 37 عاماً، وهو يدفع دراجة هوائية تحمل ابنته ذات السنة الواحدة من العمر، وابنة أخته بعمر أربعة أعوام في قفص مثبت عليها: "هذا هو ما لدينا".ويمكن أن تكون هذه الكلمات الأربع التي قالها السيد علي بمثابة شعار للزعتري، المخيم الذي تبلغ مساحته ثمانية أميال مربعة بالقرب من الحدود الأردنية مع سورية، والذي أصبح الآن في سنته الرابعة. وقد استقرت الفوضى واليأس الطاحنين هناك على واقع مقيم، حيث يترافق استسلام اللاجئين للأمر الواقع ومقاومتهم للظروف الصعبة مع الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية لجعل المكان يبدو أقرب إلى مدينة راسخة منه إلى محطة مؤقتة على الطريق.في حين يتصارع الغرب مع طوفان جديد من طالبي اللجوء الذين يتدفقون عبر حدود أوروبا، فإن الغالبية العظمى من اللاجئين السوريين يظلون في المنطقة المحيطة ببلدهم: 1.9 مليون في تركيا؛ 1.2 مليون في لبنان؛ و360.000 لاجئ مسجلون هنا في الأردن. وما تزال وكالات الإغاثة التي تعاني من نقص التمويل، والبلد المضيف المثقل بالأغباء، يناضلون على مدى السنوات لتقديم الدعم لهم.مع قطع برنامج الغذاء العالمي قسائم المعونة هذا الشهر عن 229.000 سوري يعيشون في المدن الأردنية –حيث يعد عملهم غير قانوني- أصبح يُنظر بازدياد إلى مخيم الزعتري الذي كان ذات مرة مكاناً مكروهاً، على أنه البقعة الأكثر استقراراً للاجئين. وبينما تتطلع أعداد متنامية من اللاجئين السوريين للانضمام إلى موجة الهجرة الكبيرة إلى أوروبا، فإن الكثيرين في المخيم لم يستسلموا مطلقاً لفكرة عيش حياة ذات احتمالات محدودة.حتى وقت قريب، تخيلت كل عائلة سورية لاجئة فعلياً عودة وشيكة إلى سورية بمجرد أن يسقط نظام الرئيس الأسد. والآن، أصبح الكثيرون منهم يرون أن وطنهم الحبيب قد ضاع، وشرعوا يقبلون على مضض فكرة أن الزعتري هو مكان ما سيظلون فيه لبعض الوقت.وهكذا، قام اللاجئون بزراعة الخضراوات، والزهور، بل وحتى الأشجار التي لن تحمل ثماراً لسنوات في مجمعاتهم المكوة من الصفيح المضلع والمقطورات. وتنفق منظمة "يونيسيف" نحو 37.7 مليون دولار لتركيب أنظمة المياة والتصريف الصحي، بينما تنفق ألمانيا نحو 20 مليون دولار لبناء حقل للطاقة الشمسية في المكان. ويقدر تقرير حديث للأمم المتحدة أن السكان يديرون نحو 2.500 متجر -العشرات من المحلات الجديدة تتخص في إصلاح الدراجات الهوائية- والتي تولِّد نحو 14 مليون دولار شهرياً."لقد أصبحنا معتادين على النظام هنا، وعلى طريقة الحياة"، تفسر علا محيميد، 26 عاماً، والأم لخمسة أطفال والتي كانت تتقدم بطلب للحصول على "إجازة" لزيارة أقارب في مدينة إربد القريبة. وتضيف: "لدينا نظام، وأمور تتعلق بالأمن، وتتعلق بالخدمات. كل شيء يمكن أن أفكر فيه أستطيع أن أجده الآن في السوق".يقول قاطنو الزعتري أنهم ما يزالون يندفعون إلى أي فرصة للمغادرة. وما تزال الشكاوى وفيرة حول الكهرباء التي تتوفر في الليل فقط منذ حزيران (يونيو)؛ ومن تقنين المياه؛ وبشكل خاص، النوعية الكئيبة للمدارس. في العام الماضي، كانت الغرف الصفية في المخيم مكتظة بما يصل إلى 90 تلميذاً؛ ومن بين الطلبة الذين تقدموا لامتحان الثانوية العامة الأردني، نجح 3 في المائة فقط.الآن، انخفض عدد سكان المخيم إلى 79.000 هابطاً من 83.000 في نيسان (أبريل). وكان العدد نحو 156.000 في آذار (مارس) 2013. وبينما تضاعف عدد السوريين الذين يغادرون الأردن إلى 120 شخصاً في اليوم خلال أيلول (سبتمبر)، مرتفعاً من 60 شخصاً في اليوم في تموز (يوليو)، وجد المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن سكان الزعتري هم أقل احتمالاً للخروج من البلد من مواطنيهم الذين يعيشون خارج المخيم. ومع ذلك، يرى مدير مفوضية اللاجئين في المخيم، هوفيغ إيتيمزيان، "اتجاهاً منذراً" في بيع الشبان السوريين أراضيهم في سورية لتمويل الرحلة المحفوفة بالمخاطر إلى أوروبا."هذا هو الطريق إلى الأمام"، قال شاب في السادسة والعشرين من العمر، والذي غادر الأسبوع الماضي آملاً الالتحاق بابن عمه في شتوتغارت في ألمانيا، أو بجيران الزعتري السابقين الذين أصبحوا الآن في هولندا والسويد. وأضاف الشاب الذي تلقى تعليمه كفني مختبر، لكنه يبيع القرطاسية في الزعتري: "لدي شهادة جامعية، وطوال خمس سنوات لم أعمل بشهادتي. إنني أريد مهنة".ويريد باسم زُهري، 42 عاماً، أن يتبعه -"أتمنى لو أستطيع المغادرة اليوم"- لكنه لا يستطيع تدبير مبلغ 400 دولار من أجل جوازات السفر له ولزوجتيه وأولاده الخمسة. فالأرباح في محل السيد زهري لمستلزمات الزفاف، حيث يقوم بتأجير فساتين الزفاف المنفوخة المرصعة بالجواهر المقلدة مقابل 25 دولاراً في اليوم، انخفضت هذا الصيف بسبب الكلفة الشهرية لمولد الكهرباء التي تصل إلى 155 دولاراً.ويقول متنهداً: "لقد أسسنا لنا حياة هنا"، متذكراً الأيام الأولى الصعبة في الخيام الواهية وعدم وجود خزانات مياه. ويضيف: "الآن، أصبح لدينا كل شيء نحتاجه، حقاً".تمتد المقطورات، التي تقل مساحة كل منها عن 200 قدم مربعة، بطريقة تشوش البصر في كل اتجاه. ووسط التشابه الرتيب الهائل، ثمة واجهة مبنية من الطين الأحمر. وفي داخل الفناء، رُسمت لوحة جدارية لجبال خلف بحيرة تعوم عليها مراكب شراعية صغيرة، وبجوارها مقصورة وشجرة تفاح فتية.ويقول سليمان شلبي، 40 عاماً، وهو حلاق له تسعة أولاد: "قال لي: سوف أرسم لك شجرة جديدة فتية، بلا تفاح، لأنها ترمز نوعاً ما إلى حياتكم هنا"، مشيراً إلى قريبه الذي رسم اللوحة وزين له المكان.لكن آخرين في المخيم يزرعون أشجاراً حقيقية -الذرة، والطماطم والبطيخ، وحتى نباتات عباد الشمس بارتفاع الخصر، والتي تتبع الضوء بينما يعبر المخيم الصحراوي. وقد أحضر وليد لباد، بواسطة عربة يدوية، تربة حمراء من موقع بناء قريب على مشارف المخيم لينشئ حديقته قبل سبعة أشهر، وهو يعيد تدوير ماء الاستحمام والطبخ ليرويها.ويقول السيد لباد، وهو أب لخمسة أطفال: "هذه تدعى المدينة البيضاء. الرمال هنا بيضاء، والكرفانات بيضاء. ونحن لا نريدها أن تنمو وهي بلا أي لون".ويقول علي سليمان، 23 عاماً، إن التغريد الحلو الذي يصدر عن أربعة طيور كناري صفراء يحتفظ بها في أقفاص "يجعلنا ننسى أين نحن".وكان خالد الزعبي، 36 عاماً، قد بدأ مهنة بيع الطيور قبل نحو سنة من الآن. وفي أواخر الشتاء، زرع شجرة زيتون وشجرة ليمون في الفناء، مع أنه يرفض أي اقتراح بأنه هو، أيضاً، يُنمي لنفسه أي جذور في الزعتري.وقال مفسراً: "طالما نحن هنا، فإن الأمر كما لو أنني سأعيش هنا أبداً. لكنني إذا حصلت على فرصة، سأغادر، حتى في ظرف 24 ساعة".إذا كانت المدارس هي المعيار لأي مجتمع، فإن الزعتري سيحصل على علامات منخفضة. ويشكو الآباء من أن أبناءهم يتعلمون القليل. ويرثي المعلمون لحال الطلاب الذين يختفون شهوراً في كل مرة ويأسفون للإمدادات الشحيحة.ويقول فهد الخزاعلة، مساعد مدير المدرسة رقم 3، حيث ظهر ثلاثة أولاد فقط في صف واحد مؤخراً: "يأتي الطالب ويقول، ’ليس لدي قلم رصاص‘ -من أين أجلب له قلماً؟".وتقول الأمم المتحدة إن 20.000 من أصل 29.000 ممن هم في عمر المدرسة في مخيم الزعتري كانوا مسجلين في المدارس في العام الماضي. وذلك يعني مضاعفة عدد مواقع المدارس في هذا العام ثلاث مرات من أجل خفض حجم الصف -ليكون حده الأقصى 50 طالباً.هناك أيضاً 32 مركزاً للتعليم "غير الرسمي" في المخيم، حيث يتلقى المتسربون من المدارس تدريباً في صيانة الحواسيب، واللحام والتمديدات الكهربائية. ويقول مدير المفوضية العليا للاجئين في المخيم، السيد إيتيمزيان، إنه كان يحاول وضع الترتيبات اللازمة لإنشاء كليات.ويضيف: "هذا الموضوع هو أكبر مكامن قلقي: يقول أولياء أمور هذه الأجيال من السوريين الذين يولدون هنا: لماذا علي أن أرسل ابني إلى المدرسة إذا لم تكن هناك فرص. وبشأن البنية التحتية، حسناً، لدينا تحديات تؤثر على الحياة اليومية. أما التعليم، فإنه كل مستقبل السوريين".البنية التحتية تنوء بحملهامع اقتراب قيمة فواتير الكهرباء من مليون دولار شهرياً، ولأن الشبكة التي تزود المخيم تئن تحت ثقل الاستخدام المفرط -الغسالات والتلفزيونات غير مسموح بها رسمياً، ولكنها موجودة في كل مكان في المخيم- قام السيد إيتيمزيان بسحب القابس في حزيران (يونيو) الماضي. وقضى اللاجئون فترة الصيف القائظ بأقل من ست ساعات من الكهرباء في الليلة (الآن ثماني ساعات).ومن المرجح أن يستمر التقنين في الكهرباء حتى يتم استكمال إنشاء حقل الطاقة الشمسية الذي يبنيه الألمان في العام القادم. وسيمضي شهر أيضاً حتى تقوم منظمة اليونيسيف بتوحيد معايير الحمامات التي بناها معظم اللاجئين لتجنب استخدام الحمامات الجماعية النتنة، وتقوم بتركيب 2.500 خزان للمياه، بهدف وقف الـ300 رحلة التي تقوم بها الصهاريج يومياً لجلب المياه وإخراج المخلفات.تشير هذه المشاريع الضخمة إلى أن عمال الإغاثة يستشرفون فترة حياة طويلة للمخيم. ويقول السيد إيتيمزيان: "إننا لا نطرح هذا السؤال كثيراً في الحقيقة. إن ما نقوله فعلياً هو أن تطوير البنية التحتية الأبعد مدى هو أقل كلفة وأكثر فعالية، كما أنه أكثر كرامة أيضاً".بدأت الدراجات الهوائية الأولى بالظهور في المخيم قبل أكثر من سنة، لكن الطفرة جاءت عند تبرعت مدينة أمستردام بنحو 400 دراجة هوائية مكسورة، ممكن كان أصحابها قد تركوها في شوارعها. ثم قام "رواد الأعمال" في الزعتري بتهريب المزيد من جحافل الدراجات إلى المخيم أيضاً.تحمل دراجة فضية لامعة لاصقاً يحمل علامة "ريبوك" وعلماً بريطانياً، وتحمل دراجة أخرى سوداء الكلمة الإنجليزية PROSPERITY التي تعني "الازدهار" على عارضتها، وهناك طبعة باهتة على واحدة أخرى علامة "غازيل إن. أل"، وهو طراز هولندي يباع بسعر التجزئة بنحو 500 دولار. وتباع معظم الدراجات هنا بأسعار تدور حول 100 دولار، كما يقول اللاجئون؛ وتصل أسعار الإطارات الجديدة من 10 إلى 15 دولاراً. ويصل سعر غطاء المقعد المبطن والمهدب المخيط من الأقمشة الشرقية إلى دولار ونصف الدولار.يقول عيسى سليمان، 28 عاماً: "لا يمكنك أن تعرف أبداً كم غيرت (الدراجات الهوائية) حياتنا. إنها ضرورية جداً. لقد جعلت الحياة أكثر احتمالاً".واقع صعبانتقل علي الحمصي، 25 عاماً، إلى الزعتري قبل تسعة أشهر، عند ولادة ابنته، نهى، بعد أن حاول طوال سنتين تدبر أموره خارج المخيم في المدن الأردنية. ويركب هو وصديق له دراجة هوائية واحدة إلى المركز، حيث يقوم بتعليم مهارات الحلاقة في الصباح؛ وبعد الظهر يمارس مهنة قص الشعر في محله الخاص.بعد الغداء، يعزف السيد الحمصي أحياناً على العود للجيران، أو يشغل جهاز التسجيل. ثم يجلس مع زوجته، حيث يحتسيان "النسكافيه"، ويتناقشان حول ما إذا كانا سيبقيان في المخيم أم يغادران.ويقول: "إننا كما لو أننا نعيش في العصور المظلمة ذهنياً. قبل أيام قلت بيتاً من الشعر العربي لصديق: "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل". فقال صديقي: ’دعك من الأمل، ولنذهب ونشتري بعض البندورة‘"جودي رودورينت - (نيويورك تايمز) - (الغد)