السبت 14-12-2019
الوكيل الاخباري



الأردنيون وجدل المناهج




الشهر الماضي ومع التعديل الرابع على حكومة الدكتور عمر الرزاز استقبلت وزارة التربية والتعليم وزيرها القديم الجديد رقم 108. الوزارة التي انشئت العام1921 تحت مسمى المعارف وتولت مهام إعداد وبناء الانسان الأردني وتزويده بالمعارف اتخذت اسمها الحالي العام 1956 وتناوب على ادارتها العديد من رجالات الأردن المعروفين كان في مقدمتهم المرحوم ذوقان الهنداوي الذي تسلم الحقيبة اثنتي عشرة مرة واكتسب في عهده التعليم الأردني سمعة تجاوزت حدود الزمان والمكان.

اليوم يوجد في البلاد إجماع على الحاجة الى تطوير التعليم والنهوض بالعملية التعليمية بما يلبي التغيرات التي شهدها العالم ويحقق تنافسية خريج النظام التعليمي الأردني عالميا. المشكلة ان الجميع يختلفون على شكل ونوعية واتجاهات التغيير المطلوب الامر الذي خلق حالة من الاستقطاب بين التيارات المختلفة وجعل من التعليم والعملية التعليمية مختبرا مصغرا للانقسامات الايديولوجية والسياسية والاجتماعية.

حالة الاستقطاب الاجتماعي والايديولوجي التي تتبدى عند كل محاولة للنظر في التعليم ليست مستغربة بل هي التعبير الطبيعي عن اهتمام الناس بالعملية التعليمية واستعدادهم للعمل والتعاون من اجل تحقيق النهوض الوطني. المشكلة في الاستجابات المجتمعية لمساعي التطوير تنبع من الاوضاع السياسية الامنية والصراع الثقافي ومحاولات بعض القوى الخارجية الربط بين العقيدة والتدين من جانب واعمال العنف والارهاب من جانب آخر والدعوات التي تقوم بها بعض الجهات لمراجعة المحتوى القيمي الثقافي للمناهج.

بين المتحمسين الى بناء مناهج تقوم على الاختبار والتجريب والتفكير العقلاني الحر والداعين الى الحفاظ على خصوصية الامة الثقافية ونهجها في النظر الى الانسان والكون والآخر جدل ظاهر وخفي يحول دون مغادرة المربع الاول. خلال الاعوام القليلة الماضية تناسى الجميع مستلزمات التطوير التربوي الضروري لبيئة التعليم واساليب التدريس واكتساب المعرفة واختبار الافكار لحساب التدقيق في محتوى المناهج من الاحاديث والآيات وسير الشخصيات الدينية والتاريخية.

لهذه الاسباب وغيرها ما يزال الأردن ومنذ ما يزيد على عقدين يحاول النهوض التربوي دون وجود آثار حقيقية للنهوض. لم تفلح الشعارات التي جرى اشتقاقها لتوجيه الجهود في الوصول الى المستويات التي حققتها العديد من الاقطار التي كان للأردن الفضل في تأسيس نظمها التعليمية. اليوم تحتل كل من قطر والامارات العربية والكويت مراكز متقدمة على قوائم الدول التي تدير نظما تعليمية متطورة في الوقت الذي تتراجع فيه انجازات النظام التعليمي الأردني الذي كان رائدا في الاوقات الاكثر صعوبة من تاريخ البلاد.

باستثناء زيادة المدارس وتنامي اعداد المعلمين والخريجين يصعب ملاحظة تحولات ايجابية لافتة في نوعية التعليم ومخرجاته. خلال الاعوام الخمسة الاخيرة تعرض النظام التعليمي الأردني الى هزات كبيرة أثارت الاهتمام الرسمي والاهلي فقد صرح احد الوزراء السابقين للتربية بوجود اكثر من 100 ألف طالب لا يجيدون القراءة والكتابة وتحدث عن وجود اعداد كبيرة من المرشحين للتعيين كمعلمين وهم لا يملكون المعارف الاساسية في ميادين تخصصاتهم.

التخبط والحيرة والضياع الذي يواجهه واضعو السياسات والخطط والمناهج التربوية كان واضحا في تذبذب نتائج الثانوية العامة خلال الاعوام الثلاثة الماضية فبعد ان اخفق اكثر من ثلثي الطلبة في امتحان الثانوية العامة في الاعوام السابقة حصل تسعة طلاب على معدل 99.9 وآخر على 100 % مسجلين الارقام الأعلى في تاريخ امتحانات الثانوية العامة التي بوشر بتنفيذها منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي.

التذبذب الحاصل في سياسات التعليم واساليب الامتحانات والنتائج انعكاس للارتباك الحاصل في هذا القطاع الحيوي المهم ومؤشر على ما يحصل في المناهج التي اسست الدولة مركزا لتطويرها. ما لم يعرف المجتمع او يعيد تعريف فلسفته ويحدد هويته واهدافه وقيمه دون لبس فلن يتوفر للقائمين على المناهج وتطويرها الاسس الضرورية لبناء المناهج التي تعكس الرؤية الاردنية للانسان والكون والحياة والمستقبل وسيبقى الجهد المبذول ترتيبات ارضائية تعيد انتاج الشخصية المترددة الارضائية غير القادرة على التنافس والانجاز في عالم متغير.