الإثنين 14-10-2019
الوكيل الاخباري



بين رجال الدولة والموظفين




أمتع ما في كتب التاريخ تلك المعروفة بكتب السيرة الذاتية، حين يدون الزعماء والساسة والفاعلون في مراحل تاريخية مذكراتهم، وسيرتهم في المواقع العامة.

عالميا يعد هذا الصنف من الكتب الأكثر مبيعا في المكتبات، وفي ثقافة الدول المتقدمة عادة ما تأتي السيرة مليئة بالمعلومات الجديدة والأسرار التي لم يكشف عنها من قبل. في بلداننا العربية يبقى الإفصاح التام محفوفا بمخاطر سياسية واجتماعية، ولذلك تأتي أقل زخما من مثيلاتها الغربية، ومع ذلك تحتفظ بقدر غير قليل من المتعة والتشويق والفائدة. وبقدر قليل دخل إلى عالم السيرة الذاتية أسلوب جديد يوثق اليوميات، لكن ذلك يشترط مسبقا أن يكون الشخص قد واظب خلال عمله على تدوين منتظم لمجريات عمله اليومية.

وتبقى هناك عشرات السير الذاتية غير المكتوبة، تسمعها شفاهة من أصحابها ممن لا يفضلون تدوينها لاعتبارات مختلفة، لكن يمكن الركون إليها كمصدر يضيء على جوانب مخفية من تفاصيل أحداث تاريخية ومفصلية.

قد تبدو روايات من عاشوا ذات المرحلة متباينة أو متناقضة أحيانا، وذلك يعود لاختلاف الزوايا التي نظر إليها الأشخاص لتلك الأحداث واختلاف مواقعهم الرسمية، وربما مواقفهم أيضا. لكن المهم في المحصلة أن هناك مواقف ووجهات نظر تنطلق من اعتبارات المصلحة العامة كما يعتقدها أصحابها.

أهم ما في المذكرات والسير الذاتية، أنها تعطيك الفرصة لتميز بين صنفين من المسؤولين؛ رجال الدولة والموظفين، ويتجلى ذلك في أوقات الأزمات والشدائد، عندما يكون لقول كلمة الحق بشجاعة تبعات ومسؤوليات، دون تملق أو نفاق.

تاريخ السياسة في بلادنا عرف كل الأصناف كما تروي لنا المذكرات؛ رجال دولة أخلصوا للوطن والعرش، وموظفون كانوا عبيدا لكراسيهم ومناصبهم. ساسة حملوا على عاتقهم قول رأيهم بشجاعة من موقع الإخلاص الوطني، وآخرون عاشوا وماتوا متملقين ومنافقين. صنف صمد في وجه الأزمات ولم يترك الموقع عندما كان يكلف صاحبه حياته، وفريق ثان لا يعرف الإخلاص إلا في زمن الرخاء والبحبوحة. المنصب بالنسبة إليه يرتبط بحجم المكاسب والمغانم.

قلة من هؤلاء ربما لم يفكروا في حينها بأنه سيأتي يوم ويروي فيه أحدهم التاريخ ويسرد الأحداث والمواقف، ليتكشف معدن الرجال، ويعلم الناس من كان حقا رجل دولة أو مجرد موظف يجلس على كرسي.

وحين يطالع المرء كتب السير هذه، يتساءل مع نفسه عما يمكن أن تحمله كتب مماثلة في المستقبل لمسؤولين حاليين. الزمن تغير بالطبع، ووسائل التدوين وانتقال المعلومات تتطور سريعا لدرجة قد لا تكون معها بحاجة لاستعادة الزمن، نصا مكتوبا. فثمة وسائل تقنية متقدمة تنقل الأحداث بالصوت والصورة وتوثقها للأبد.

باختصار، تستطيع بسهولة اليوم وبفضل وسائل الإعلام أن تميز بين رجال الدولة والموظفين.

أظن أن بعضا ممن تولوا المسؤولية في زمننا هذا سيخجلون من تدوين مذكراتهم.