الثلاثاء 13-04-2021

حروب الوالدة الرؤوم




كانت تحس بأنها قصّرت في واجبها الأمومي نحوي، لأنها نسيت أن تقوم بتمليح فمي فور مزطتني الداية(لبيبة) لهذه الدنيا(الغانية)، حتى يصير لساني عذبا وكلامي لطيفا مهذبا. ربما تكون قد نقعت لساني بالبحر الميت آنذاك، لكنها أنكرت ذلك على نفسها فيما بعد, حيث كبرتُ وترعرعتُ على الكلام غير المباح والتلمظ بالبذاءات – وسيلتي الوحيدة لمواجهة هذا الواقع الأجرب -  مع أخلاق «دايت» في مجال الغثبرة ومعط الحكي، فقط لا غير.
اضافة اعلان

 محاولة منها للتكفير عن هذا الخطأ التكتيكي التاريخي الفادح المفترض اهتمت جناب الوالدة في شؤون التمليح الاستراتيجي، وشرعت تنتهز فرصة اندلاع الحروب العربية من اجل تخزين كميات هائلة من الحبوب لإبعاد شبح المجاعة عن العائلة في حال طال أمد الحرب.
رز، برغل، قمح، فريكة، عدس حب، عدس مجروش، عدس مهروس، فاصوليا مزققة، بازيلاء ناشفة، فول، حمص، وربما سكر أيضا. ما أن تشم الوالدة نذر الحرب من الأناشيد الحماسية حتى كانت تشرع في تجميع علب الحليب والتوفي وأية علب صالحة للاستهلاك البشري، وتحشيها بتلك الحبوب بعد أن تخلطها بالملح للحفظ طويل الأمد.

 هذا ما فعلته الوالدة الرؤوم في (نكتة حزيران) وفي حرب أيلول في الأردن 1970، وفي تشرين1973 وفي بدايات حرب الخليج الأولى، فالثانية (ماما المعارك) ولم تعش لتشارك في فعاليات حرب الخليج الثالثة بعد الألف، لكنها خلفت لنا كميات تجارية من علب النيدو الحبلى بالحبوب المملحة.

 كانت أمي تكتشف بعد انتهاء كل حرب بأن خططها الاستراتيجية أبعد بكثير من قدرة العرب العاربة و»المستغربة» على الصمود، ولو لعدة أسابيع على الأكثر، وان معظم حروبنا كانت تنتهي – بانهزامنا طبعا-وقبل ذوبان حبّة الأسكيمو فوق سطح من الصفيح الساخن.
 كانت الوالدة تستهلك أكثر منا جميعا من هذه الحبوب لإحساسها بالمسؤولية التاريخية والمعنوية، لكنها كانت دائما تلجأ إلى استراتيجية التمليح، علها تحظى ذات يوم بزعيم عربي يستحق الملح الذي يهدر من اجله.  لكنها ماتت قبل انتهاء الألفية الأولى بساعات   .... ماتت بارتفاع ضغط الدم، طبعا.

(من كتابي الجديد»البالون رقم10»)