الجمعة 05-06-2020
الوكيل الاخباري



قصة مؤثرة لرحيل طبيب سوداني شاب بعد اصابته بفيروس كورونا

bb35529b-98c3-431e-9a81-b3f3a59ab45c



الوكيل الاخباري - الأب جراح في العظام منذ أكثر من 40 عاماً، والابن جراح بالقلب في بداية مشوار مهني حافل بالتفوق المبكر قبل ان يكون ابنا بارا به كان صديقا حميما له جمعهما عالم الجراحة القاسي وفي سنوات قليلة حقق الإبن كل أحلام والده في الطب وصار امتدادا له. 

شق الأبن طريقة بنجاح وفي سنوات قلائل تحول إلى جراح قلب لامع في مستشفى فكتوريا الملكي في بلفاست بشمال إيرلندا، ولكن لم يخطر في باله الأب أن ابنه المحبوب وصديقه المقرب سوف يواجه الأجل المحتوم بفيروس كورونا ويقبر حتى من غير ان يلقى عليه النظرة الأخيرة. 

قصة الطبيب السوداني مهند الضاوي نوار الذي ولد وترعرع "جنوب كردفان "بالسودان سوف تبقى لسنوات طويلة واحدة من أكثر القصص مأساوية لوباء كورونا وعلامة حزينة لفراق الأحبة فجأة في زمن جائحة ضربت العالم وحولته الى بيت عزاء كبير من غير معزيين حيث يبكى كل مكلوم في عزلته بعيداً عن جسد من يحبه الذي يغيب إلى الأبد. 

وبداية القصة بدأت عندما شعر مهند في أواخر مارس الماضي بأعراض كورونا فعزل نفسة ذاتيا ورغم أن عمره يبلغ 36 عاما خسر معركته مع الفيروس في أواخر أبريل وعندما جاء الخبر إلى أبيه كان يخوض معركة انقاذ شابين من حادث أليم في أحد المستشفيات بالسعودية. 

يقول الأب عن هذه اللحظة في خطابه الذي نعى به ابنه النابض بالحيوية "كنت فى المستشفى لإسعاف مصابي حادث والمصابون أبناء لصديق، رن جوالي و الاتصال كان من ايرلندا، لم استطع الرد عليه، لكن الهاتف لم يتوقف، ولأن مهند ما زال يعاني من الأعراض، وجدت فرصة من بين زحمة الانشغال بإسعاف المصابين لأتلقى المكالمة، و يا لهول ما تلقيت، تنمّل جسدى ولم أدرك لحظتها هل أنا إنسان أم آلة فأمامي أرواح آدمية على المحك، ينبغى إن بقي معي عقل أن يكون لها، لكن ضاع الزمن، لم أدرك كم من الوقت مضى، أكملت إسعاف المصابين (وتلك يا سادتى هي حياة الطبيب، لا يهم إن كان مريضاً او حزينًا أو مفجوع، فأمامه واجب عليه أن يؤديه". 

لكن بعد غياب عقل الطبيب الجراح سقط في هوة حزن سوداء، ويتابع والد مهند "صرت أنا لست أنا، مجرد مسخ يغلبه المشي، يحاول جاهداً أن يضع قدماً أمام الأخرى تحاشيا للسقوط، لم أصدق أنى وصلت السيارة، لكن تبقى التفاصيل الصغيرة، فتح باب السيارة، والقيادة، كل الأشياء تبقى فوق القدرة، و كأن السيارة ستفلت منى و تصطدم بالمبانى، بوابة السكن الداخلية أوسع من اربعة أمتار، كانت محنة كيف أقود من خلالها بل كيف أوقف السيارة، ثم الباب الخارجي للمنزل و الباب الداخلي، و كيف أنقل الخبر لوالدته، التى لم تصدق، و يا وجعها، كان حبيبها ورفيقها وروحها.. كانت إذا عانت من أي شئ يحملها بين يديه ليضعها على الفراش، بل كان يحملها ويدور بها دون سبب فقط من باب المرح و الإحتفاء، و كم من مرة حملنى أنا على يديه أيضاً حين تنتابني آلام الظهر فى وقت لا احتاج لغير أن أتكئ عليه". 

نوبة حزن لا تنتهي

كتب الطبيب رسالة صغيرة لأصدقائه ثم دخل في نوبة حزن فردي، حتى الحزن في زمن كورونا يبقى فرديا وفي ركن صامت من المنزل. 

"تلقيت قبل قليل خبر وفاة ابنى الكبير مهند فى بلفاست، بدأ يعانى منذ إسبوعين، من أعراض نزلة برد ونصح بالحجز المنزلى، بعدها حجز نفسه بالبيت ورفض عمل فحص كورونا وأخبرنا بأنه يتحسن، منذ الأمس، انقطع إتصاله بنا، قبل قليل وصلنى نبأ وفاته.. أنا الآن فى حالة لا توصف.. لن أستطيع تقبل مكالمات، واحتاج لأن أحزن لوحدي". 

يقول الوالد "كان صديقاً لي قبل أن يكون إبن، و لا يمتعنى شئ مثل الجلوس معه، تعلم المشي على يدي ثم ركوب الدراجة، تعلم قيادة السيارة و عمره ستة سنوات، تعلم على يدي طلوع الأشجار وركوب الدواب لم أكن أخشى عليه غير يوم مثل هذا". 

وتابع وهو يرثي قطعه من قلبه "كان حلواً ، كان لامعاً، كان مضيئاً، كان متميزاً فى فصله، كان ممتعاً، كان موهوباً يعزف الجيتار، يلعب كرة السلة ، كان بطلاً فى السباحة، كان كريماً، كان متواضعاً حتى الارض ، كان شجاعاً". 

قطعت قلبي وكسرت ظهري

كما قال الأب في خطابه "إجتهد مهند لدخول الجامعة بالقبول العام، و تخرج فخوراً من جامعة الجزيرة، حاولت إثنائه عن عالم الجراحة، فاجأنى قبل دخول فترة الامتياز بالنجاح فى الجزء الاول من امتحان زمالة الجراحة و نجح فى الجزء الثانى بعد إكمال الامتياز مباشرة، كنت متردداً فى ذهابه لأوروبا، لكنه سافر ليقضى ستة أشهر فى الجراحة العامة ثم جلس منافساً لعشرين متقدماً لجراحة القلب اغلبهم من الأيرلنديين وفاز بالمقعد الوحيد، و ظل أول الحاضرين و آخر المغادرين من المستشف .. تمت ترقيته بسرعة، واختار موعده للجلوس للامتحان النهائي فى اكتوبر القادم.. عاد من الإجازة للعمل وكنا معه ودعانا لزيارة مستشفاه، على بوابة الدخول همس لأمه مازحاً أن أغمضى عينيك، كانت عودته تثلج صدر كل سودانى، ممرضين وممرضات، عمال، موظفين و زملائه نساء و رجال، لم يسلم على أحد بيديه، بل تلقفوه عناقاً، سعدت يومها كسوداني". 

ثم ينهي خطابه بتلك الجمل التي توجع القلب:

مالك يا مهند قطعت قلبى وكسرت ظهرى؟

مالك يا مهند تركت لي أياماً وددت فيها أن أغمض عيناي و لا افتحها مرة أخرى فلا سبيل للقياك غير ذات الدرب. 

و لا أقول إلا إنا لله و إنا إليه راجعون، رحمك ربى رحمة واسعة يا مهند ورضي عليك.. فوق رضائنا عليك و بلا حدود. 

 

المصدر - العربية