الإثنين 09-12-2019
الوكيل الاخباري



الصيد في العقبة بين موروث ثري وواقع دون الطموح

1



الوكيل الاخباري - اضطر الصياد ابو محمد (57 عاماً) لفتح بقالة بالقرب من بيته يسترزق منها، بعد أن أصبحت مهنة الصيد لا تسد حاجاته الأسرية لتراجع مردود هذه المهنة في الفترة الأخيرة.

وفي هذه المعاناة لم يكن أبو محمد، الصياد الوحيد الذي توجه للبحث عن مهنة بديلة أو معززة لمهنة الصيد في العقبة، لا سيما وأن مئات الصيادين تركوا مهنتهم منذ سنوات عدة ليتبقى منهم عدد محدود في محاولة لإنقاذ مهنة الأباء والأجداد والإرث الحضاري لمدينتهم، التي تعتبر المنفذ البحري الوحيد في الأردن.

وفي حديثهم لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، قال صيادون في العقبة إن مهنتهم أضحت اليوم في حالة نزاع وأن ما تعرضت له في السنوات الأخيرة دفع بالكثير منهم لتركها والبحث عن لقمة العيش في عمل آخر رغم أن قلوبهم ما زالت معلقة في هذه المهنة التي تعبر عن الموروث التاريخي للأباء والأجداد.

أيوب (48 عاماً) يقول: إن ذاكرته لا زالت تحمل الحنين للماضي ولأيام الطفولة في البحر وبرفقة والده أيام الشباب ورحلات الصيد وجمعات الصيادين وصوت أهازيجهم وهي تعزف على أوتار السمسمية (الة وترية يشتهر بها سكان العقبة) ودعاء الزوجات والأمهات عند كل فجر يتردد صداه في أذنيه حتى اللحظة.

الباحث والمؤرخ لتاريخ العقبة عبدالله المنزلاوي يرى أن الحفاظ على مهنة الصيد يعني الحفاظ على التفرد وهي من أهم المفردات التي تثري التراث الأردني، كون العقبة المدينة الشاطئية الوحيدة في المملكة والصيد يعني هوية وثقافة ما يحتم الحفاظ على هذه المهنة كإرث ثقافي وتاريخي للأردن.

ويضيف أن مهنة الصيد هي منتج سياحي مهم لمدينة البحر لاسيما وأنها تشكل مورداً اقتصادياً للعاملين فيها، من العقباويين الذين كانوا يتوجهون في بواكير أعمارهم لتعلم الصيد ويوجهون أبناءهم لامتهانها.

ويشير المنزولاوي إلى أن أهمية المهنة كانت بدخول تفاصيلها بمفاصل حياة العقباويين، إذ نراها في ملابسهم الخاصة ومأكولاتهم المتنوعة والمعتمدة بشكل أساس على الاسماك، مثلماً أن ملامح المهنة تظهر في طقوس زواجهم وأفراحهم، وهي مرتبطة بالفلكلور الشعبي والاغاني وما يرافقها من رقصات ومعزوفات على السمسمية، لنسحب ذلك على أسماء مواليدهم: مثل الريم ووزكة وبخة وغيرها من الأسماء الخاصة بالسمك، الى جانب الرصد الفلكي وحركة الغيوم والنجوم ومواسم المطر ومواسم الريح واتجاهه وهي من علوم الفلك التي تهديهم لمواسم صيدهم.

وبين المنزلاوي أن الزحف العمراني الذي تشهده المدينة اليوم، وزيادة الاستثمارات وقواعد المنع الآخذة بالتوسع لأسباب مختلفة كل ذلك دفع بمعظم الصيادين لهجر المهنة والالتحاق بأعمال اخرى للرزق واعالة ابنائهم، مؤكدا ان مهنة الصيد باقية بقاء البحر برغم كل التحديات والموانع.

وبحسب الرئيس الفخري لجمعية الصيادين في العقبة محمد المغربي فإن الصيد هو المهنة الاساسية لأهالي العقبة وتشكل مصدر الرزق الوحيد لعدد كبير من سكانها.

وقال إن المهنة تعرضت لانتكاسة عام 1983 حيث شكلت نقطة تحول كبيرة وبدأت معاناة الصيادين بانحسار مساحات الصيد وتقييد حرية الصيادين بالتجول والحركة ومنع الصيادين من حصاد رزقهم في أماكن معينة، مشيرا إلى أنها قد تراجعت بشكل كبير حين هجرها محبوها ألما وحسرة، لعدم قدرتهم على تحصيل قوت يومهم فتوجهوا لمهن أخرى.

وشدد المغربي على ان الخطر الحقيقي على البيئة البحرية لا يأتي من الصيد بل من السياحة غير الملتزمة وغير الواعية للتعامل مع البحر ومكوناته من خلال رمي النفايات والمواد البلاستيكية وتدمير المرجان الذي يشكل موئلا ضروريا لحوالي 500 نوع من الاسماك.

واضاف المغربي ان اقتطاع ما نسبته 7 كم من المنطقة الجنوبية من المياه الضحلة وفيرة السمك شكل ضربة أخرى للمهنة، منوها إلى أن سلطة العقبة الخاصة وشركة تطوير العقبة تقومان حاليا بجهود لإعادة مهنة الصيد وإحيائها، من خلال بناء مرفأ للصيادين يتسع لـ285 قارب صيد اضافة الى سوق للسمك ومقاهي وانشطة مرافقة.

وقال مدير مديرية الشواطئ في العقبة عبدالله ابو عوالي إن السلطة تقوم بمهام مديرية الزراعة وذلك بتخويل من رئاسة الوزراء لإعطاء رخص الصيد وفق نموذج خاص يتم تعبئته وتقديمه للسلطة، والتي تقوم بدورها بتحويله لمحافظ العقبة للحصول على الموافقات وهو ما يسبب تأخير بعض المعاملات.

وأشار الى ان السلطة تقدم الدعم المادي وادوات صيد ومقتضيات السلامة العامة للصيادين، مثلما تقوم بعمل صيانة دورية لمعظم القوارب العاملة.

وأضاف أنه تم تحديد مناطق للصيد الا ان العديد من الصيادين يقومون بتجاوز التعليمات مما يجعل هناك صعوبة في تقليص الفجوة بين السلطة والصيادين.

وأكد ابو عوالي ان التحديات التي تواجه الصيادين تعود لضيق الشاطئ الاردني والاشغالات الكبيرة لهذا الشاطئ وتعدد الانشطة اضافة لعمق المياه في بعض المواقع، مشيرا الى ان ما نسبته 90 بالمئة من هذه التحديات يعود لأسباب امنية بحتة.

مدير مكتب الجمعية الملكية لحماية البيئة البحرية في العقبة محمد طواها اكد على دور الجمعية في تقديم الابحاث والدراسات الخاصة بخليج العقبة وسعيها لتوجيه رسائل الى اصحاب القرار حول ما يحدث وما يستجد من معلومات وبيانات للحفاظ على البيئة البحرية وديمومتها للأجيال القادمة.

وبين أن الجمعية قامت ولأول مرة بوضع قاعدة بيانات تشمل كافة انواع الكائنات الحية واسمائها وتعدادها وطرق الحفاظ عليها.

وأشار إلى أن خليج العقبة يحتوي على أنواع عديدة من الاسماك والتي تزيد عن 500 نوع لكن كميات السمك قليلة ولاتكفي لاستهلاك سكان العقبة.

وأكد طواها ان مهنة الصيد تحتاج لتظافر جهود جميع الجهات ذات العلاقة ورفع الوعي لدى الصيادين وضرورة معرفتهم بحساسية البيئة البحرية، وان الحفاظ عليها يعني الحفاظ على التوازن البيئي الذي هو بالنتيجة ضمان لوجود واستمرارية البشرية على هذه الارض.