الأربعاء 23-10-2019
الوكيل الاخباري



الاستقرار تحت رحمة الاقتصاد




قلق الأردنيين منبعه الاقتصاد، فهو الذي يحرك الرغبة لديهم بالهجرة، ويجعلهم أقل ثقة بقرارات الحكومات وأقل دعما لها، ولربما يدفعهم ذات السبب للاعتقاد بأن الفساد منتشر على نطاق واسع في الأردن مع أن 17 % فقط منهم يعتقدون بأن مكافحة الفساد تشكل تحديا مهما بالنسبة لهم، وفق ما أظهرت نتائج استطلاع مقياس الديمقراطية العربي الذي نفذه مركز الدراسات الاستراتيجية في عدة دول عربية من بينها الأردن.

نتائج سابقة لاستطلاعات رأي أجراها المركز تدعم خلاصات الاستطلاع العربي. ومثلما أفادتنا مسوحات سابقة بأن شعور الأردنيين بالأمن والاستقرار في قمته، يؤكد هذا الاستطلاع أيضا هذه الحقيقة، فقد أفاد 91 % من المبحوثين بتوفر الأمن والسلامة الشخصية لهم ولأفراد أسرهم، وهي النسبة الأعلى بين الدول العربية.

لقد صمدت مقاربة الاستقرار الأردني طوال السنوات العجاف التي مرت بها المنطقة. نادرا ما شعر المواطن الأردني بأنه يواجه تهديدا لحياته كما هو الحال في أقطار عربية عديدة ضربتها الفوضى والحروب وتحكمت المليشيات بمصائر الناس، وكانت سببا في تهجير الملايين من البشر في عدة دول عربية.

لكن الاستقرار الأمني الذي قاوم تلك الضغوط، يكافح اليوم وفي المستقبل تحت ضغط شديد ناجم عن تراجع الاقتصاد وتردي الأحوال المعيشية للمواطنين.

الاصلاح السياسي ليس شأنا ملحا على أجندة الأردنيين، فغالبيتهم تدعم سياسة التدرج في الاصلاح، مع تمسكها بحقها في التعبير ودعم الديمقراطية، لكن مايعنيها أكثر من أي شيء آخر هو تحسن الوضع الاقتصادي.

83 % من المواطنين الذين يفكرون بالهجرة يعزون توجههم هذا لأسباب اقتصادية، وليس سياسية، بخلاف دول عربية أخرى هجرها أهلها لاعتبارات أمنية وغياب حرية التعبير وممارسة الديمقراطية والقمع الدموي.

بقاء الوضع الاقتصادي على ماهو عليه دون تحسن ملموس في وقت قريب سيعرض نظرية الأمن والاستقرار في الأردن لضغوط شديدة.

نجح الجيش الأردني بخلق حالة من الاطمئنان الوطني بقدرته الفائقة على ضبط الحدود وحمايتها من موجات الإرهاب والفوضى، مثلما حازت القوى الأمنية وبشكل خاص جهاز المخابرات العامة على دعم وطني منقطع النظير لدوره المميز في تحصين الجبهة الداخلية من أخطار الجماعات الإرهابية، والتعامل مع الحراك الشعبي بحكمة وخبرة. الأردنيون كانوا على مستوى التحدي ووقفت غالبيتهم في خندق الدولة عندما بدا أن هناك تهديدا وجوديا لكيانهم السياسي ومجتمعهم الذي عاشوا فيه قرابة مائة عام.

باختصار تفانى الجميع دفاعا عن وطنهم، لكن الوضع الاقتصادي يؤرقهم لدرجة تفوق قدرة الناس على الاحتمال لفترة أطول دون وجود بارقة أمل بتبدل متدرج وملموس في أحوالهم.

النصف الأول من العام الحالي لم يحمل نتائج مبشرة للمواطنين. السياسات الحكومية لم تنجح بعد في إحداث فارق مهم، والمؤسف أن الحكومة في استعراضها الأخير أمام اللجنة المالية لمجلس النواب لم تفدنا بما يبعث على التفاؤل، فالتقديرات خالفت النتائج، والتوقعات للسنة المقبلة محفوفة بالمخاطر في غياب تصور شامل وجدي لوقف التدهور في عديد القطاعات، وتعديل المزاج السلبي الذي يسيطر على معظم المواطنين.