الإثنين 27-05-2019
الوكيل الاخباري



التقنية في العالم .. تثير القلق





الوكيل الاخباري - قبل أربعة أعوام –وتحديداً في عدد مايو/يونيو 2014م، حذَّرت القافلة في مقال بعنوان “بين الرقمنة والمراقبة الحياة الشخصية في مهب رياح التكنولوجيا"– من عواقب التعامل باستهتار مع البيانات الشخصية.وقالت بوضوح إن “كل الخدمات التي لا تطلب رسوم اشتراك، تحصل على الأموال من خلال بيع المعلومات". وعلى الرغم من أن الحكومات والدول كانت تعرف ذلك منذ البداية، إلا أنها لم تتحرَّك إلا بعد أن اكتشفت في شهر مارس من هذا العام، أن القضية لا تتعلق بالحياة الشخصية للمستخدمين فحسب، بل يمكنها أن تؤثر أيضاً على مصائر الدول، ووصلت الشكوك إلى تأثيرها على نتائج الانتخابات في الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا، الأمر الذي دفع إلى موجة غضب عارمة، والمطالبة بمثول الرئيس التنفيذي لشركة "فيسبوك" مارك زوكربيرغ أمام الكونجرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي ومجلس العموم البريطاني.وردت في السنوات الأخيرة تقارير كان من المفترض أن تدق ناقوس الخطر لدى كثيرين، ففي عام 2013م، اعترفت "فيسبوك" بأنها كشفت بيانات المستخدمين لجهات حكومية، مؤكدة في الوقت نفسه على أنها تحمي بيانات مستخدميها إلى أقصى حد، وأنها أعطت الجهات الحكومية الأمريكية بيانات أقل بكثير مما كانت تتوقَّع الأخيرة.وفي عام 2015م كشفت دراسة أعدَّها باحثون من جامعتي كامبريدج البريطانية وستانفورد الأمريكية، شارك فيها 86220 من مستخدمي "فيسبوك"، أنه بالإمكان إجراء رصد دقيق لمجموعة من السمات الشخصية من خلال خاصية الإعجاب على موقع "فيسبوك". وكان هناك تصريح لافت آنذاك لديفيد ستيلويل الباحث المشارك من جامعة كامبريدج قال فيه إن البيانات الدقيقة التي تظهرها التقنية تساعد الفرد في تحسين اتخاذ قراراته المجتمعية والشخصية، مثل الزواج والثقة أو حتى انتخاب رئيس.العالم العربي على موعد مع ظاهرة فلكية خلابةيبدو أن شركة "كامبريدج أنتاليتيكا" التي تأسست عام 2013م، أدركت إمكانية الاستفادة من هذه النتائج في تحقيق المكاسب، واستعانت في ذلك بألكسندر كوجن، أستاذ علم النفس بجامعة كامبريدج، الذي استنسخ طريقة هذه الدراسة نفسها، وطور تطبيقاً في "فيسبوك" في يونيو 2014، لصالح هذه الشركة، أطلق عليه اسم (هذه حياتك الرقمية)، وأقبل عليه آلاف المشتركين، الأمر الذي أتاح للشركة جمع معلومات عنهم وعن كل أصدقائهم المتصلين بهم. ومن خلال هذه المعلومات استطاعت معرفة توجهاتهم السياسية، وبالتالي وضع المواد المناسبة للتأثير عليهم، بحيث يدلون بأصواتهم لصالح المرشح الذي تدعمه الشركة.وعلى الرغم من أن "فيسبوك" علمت في عام 2015م بما قامت به شركة "كامبريدج أنتاليتيكا"، فإنها لم تر مبرراً لإبلاغ المشتركين بما تعرَّضت له معلوماتهم الشخصية من إساءة استخدام، واكتفت بمطالبة الشركة بالتوقف عن ذلك، ومحو البيانات التي جمعتها. وهذا ما دفع زوكربيرغ إلى الاعتراف بأن شركتــه ارتكبـت أخطاءً، بعد خمسة أيام من كشــف صحيفتي "أوبزرفر" البريطانية و"نيويورك تايمز" الأمريكية، قيام شركة "كامبريدج أناليتيكا" بجمع بيانـات 50 مليـون حسـاب على فيسبـوك من دون علم المستخدمين بذلك. ولاحقاً، صححت وكالة "بلومبيرج" الرقم قائلة إنه 87 مليون مستخدم.خسرت "فيسبوك" خلال يومين فقط 60 مليار دولار من قيمتها. وانكمشت ثروة زوكربيرغ إلى 66 مليار دولار (بعد أن كانت 76,6 في مطلع هذا العام)، وبدأت حملة تدعو لمحو تطبيق "فيسبوك" من أجهزة الجوَّال، وارتفعت الأصوات المطالبة بتدخل الحكومات في عمل أكبر شبكة تواصل اجتماعي في العالم.لكن الأيام والأسابيع الماضية كانت كفيلة بأن تهدأ العاصفة، ويعود الناس من جديد إلى عاداتهم اليومية، ليقضوا في المتوسط 50 دقيقة يومياً على فيسبوك، وينظروا إلى الجوَّال بمعدل 88 مرة يومياً، حتى ولو علموا أن زوكربيرغ أجاب صديقاً سأله عما يجعل الناس ينشرون طواعية تفاصيل حياتهم الشخصية على موقع "فيسبوك"، بقوله "لأنهم في قمة الغباء"."غوغل" تنشئ أسرع حاسوب "كمومي" في العالمليس من المتوقع أن تقضي هذه الأزمة على فيسبوك. ربما يتراجع عدد المشتركين، لكن الإنسان عادة لا يحب تغيير عاداته اليومية مهما كانت.وثمة مخاطر ناجمة عن توسع أنشطة هذه الشركات. فمع وجود "أمازون" يصبح طبيعياً أن تتعرَّض المكتبات وكثير من المتاجر للإفلاس، بسبب إقبال الناس على الشراء عن طريق الإنترنت، الذي غالباً ما يكون أقل تكلفة، بسبب عدم تحمُّل تكاليف إيجارات المتاجر ورواتب العاملين فيها، وبذلك يخسر ملايين العاملين في هذه المتاجر وظائفهم؛ لأن الناس تبحث عن الخيار الأسهل في لحظة الشراء فحسب. وحتى يكون الحديث دقيقاً فإن المتاجر التي تنهار فهي تلك التي ترتادها الطبقة المتوسطة ودون المتوسطة، أما متاجر الماركات العالمية التي تجد عملاءها في الطبقة العليا من المجتمع، فستبقى وستتوسع.وأمر آخر لا يقل خطورة، وهو أن تظل "فيسبوك"المصدر الأول للأخبار عند ملايين البشر. ولأن هذا الموقع ذكي جداً، فإنه يتعاقد مع وسائل إعلامية تتمتع بمصداقية عالية، لينشر أخبارها كاملة من دون أن يضطر المتصفح للوصول إلى مواقعها. ثم يسمح بنشر ملايين الأخبار من مصادر أخرى، لا تتمتع بأي صدقية، وتهدف إلى الإثارة، وتجتذب القرّاء أكثر من الأخبار الجادة، الأمر الذي أسهم في انتشار الأخبار الكاذبة. وكلما انتقد البعض هذا الأمر، برَّر "فيسبوك" ذلك بأنه ليس "موقعاً إخبارياً"، وبأنه لا يسمح لنفسه بأن يكون صاحب الحق في تحديد ما هي الحقيقة، وبذلك يعفي نفسه من مسؤولية التأكد من صدقية الخبر. فهل يصدق عاقل أنه سيتخلى عن هذه الأخبار، وما توفره من أموال شركات الدعاية؟