الخميس 02-04-2020
الوكيل الاخباري



أيها الرئيس استقل واتركها لهم




في عشاء في عمان يخرج رئيس وزراء سابق عن صمته المعتاد فيطلق انتقادات حادة، قائلا إن الأردن بات في كفة والرئيس الرزاز في كفة أخرى.

تسأله عن معنى الكلام فيرد مقهورا أن هناك استعدادا لتأجيل الانتخابات، أو اللجوء لسيناريو تسليم مجلس النواب الحالي لمجلس جديد، مقابل أن يبقى الرزاز، وأن الدولة اليوم تضع الرزاز في كفة، والأردن في كفة، وكأن الله لم يخلق إلا هذا الرجل.
هذا نموذج للتطاحن السياسي في عمان، إذ إن أغلب رؤساء الحكومات يريدون الإطاحة بعمر الرزاز، وبعضهم يقول إنه أقل من رئيس حكومة، وأعلى من وزير، وآخرون يغمزون بطريقة غير لائقة من سيرته الشخصية أو العائلية، لكنهم يقرون انه محترم جدا، وفريق ثالث يصير ديمقراطيا فجأة ويريد حل مجلس النواب واجراء انتخابات من اجل غاية واحدة هي الخلاص من عمر الرزاز، وفريق رابع يغمز بقوله إن الرزاز خيار دولي مفروض.

مال الرئيس وهذه القصة، فالكلفة التي يدفعها أي رجل في موقعه أعلى بكثير من مردود اللقب المعنوي، خصوصا، حين يدرك أن كثرة تعمل ضده ليلا نهارا، أو تتصيد له أي خطأ من اجل تجريمه وتشويه سمعته، وتحطيم ارثه الشخصي، دون محرمات ؟.
أولئك الذين لا يحملون اجندات شخصية يقولون كلاما مختلفا، لكنه من ذات البحيرة، يغرفون منها ويشربون، ويقولون ان الرئيس ضعيف، لا دور سياسيا له، وأن ملف السياسة الخارجية بيد وزير الخارجية فقط، مع جهتين ثانيتين، وان وزير الخارجية سيأتي رئيسا للحكومة عما قريب، وبعضهم يقول إن وزير العمل مرشح أيضا لرئاسة الحكومة، وآخرون يتحدثون عن سيدات من حكومته، فتكون النتيجة ان خمسة إلى سبعة أسماء من حكومته يشكلون خطرا عليه، أو هكذا يحاولون الإيحاء على الأقل، فتصير بصيرة الرئيس مشوشة، خصوم في الخارج، وطامعون في الداخل، وبينهما شارع غير راض ابدا.

هذه الملهاة التي نعيشها سببها ضعف الدولة، التي تغير التوصيف الوظيفي لمؤسساتها، فوق الأزمات السياسية والاقتصادية، واستمرار الاجندات الشخصية في حفرها العميق، دون أن ننكر هنا، ان كل شيء تراجع فعليا، فلا الرئيس محسوب على مراكز قوى سياسية أو سياسية-اجتماعية في البلد، ولا يريد ذلك، ولا هو أيضا يحاول توسعة مساحته، ويتنازل بمحض ارادته عن الملفات الشائكة للوزراء المختصين حتى يحملوا كلفتها، ولا يريد ان يصير زعيما، فلا تراه في رحلة خارجية مهمة، ولا في اجتماع داخل الأردن، حتى لو كان على رفعة في المستوى، بل اختصر كثيرا، الفترة الأخيرة، وتوارى عن العيون.

الغيرة والتحاسد والكراهية سمات للحياة السياسية في الأردن، ولو خرج الرزاز غدا حاملا يافطة للتظاهر عند الدوار الرابع مع المعارضين، لتشاغلنا بغيره، لان كل القصة ترتبط لدينا بالحب والكراهية، أو العلاقات الشخصية، فيما قلة تحدثك عن النهج السياسي البائس، وسوء الإدارة الاقتصادية، لكل الحكومات، وان تبديل عمر بعمر ثان، لن يغير من الواقع شيئا، بعد ان دخلت السفينة في المياه الموحلة، وبات خيار الدولة الأول والأخير هو التسكين والنجاة قدر الإمكان، وعدم اثارة أعصاب الشارع.
جو عمان السياسي، مقرف بما تعنيه الكلمة، لم تعد تستطيع ان تحضر مقابلة تلفزيونية لمسؤول سابق، ولم تعد قادرا على قراءة مقال لمسؤول سابق، فالكل يبيع التمر على أهل المدينة المنورة، أو السمك على أهل الإسكندرية، ولا يخجل أحد، فتصير كل قصتنا من يدعم الرزاز، ومن يريده ومن لا يريده، هذا على الرغم من الوضع العام، أسوأ بكثير.

بقي الرزاز أو رحل. ليس مهما. لكن المؤكد أن لا أحد في الكفة المقابلة للأردن، سوى الأردن، والأردن فقط، لكنه التحريض قاتل الله أصحابه، إذ يريدون القول إن الرئيس أقوى من الأردن، ولا يجرؤ أحد على ازاحته، وما دمنا دخلنا هذه المساحة الحساسة من التحريض، فليستقل الرئيس، وليريح وليستريح، وليترك لهم هذه الغنيمة.