الأحد 11-04-2021

مرة أخرى عن «الضريبة على الثروة»



سمعت ان الضريبة على الثروة هو أمر قيد البحث عندنا.  وكانت «أوكسفام» قد طالبت الاردن بفرض هذه الضريبة لمواجهة آثار كورونا الاقتصادية وتحسين الدعم للفئات الأكثر تضررا. وأوكسفام هي اضخم منظمة خيرية دولية نشأت لمكافحة الجوع والمجاعات ثم وسعت دائرة اهتمامها لمواجهة السياسات التي تؤدي الى الجوع. 
اضافة اعلان

وفي تشرين الأول الفائت كانت الارجنتين أول دولة في العالم تبادر لفرض ضريبة جديدة على الثروة بنسبة 5 % (ضريبة المرة الواحدة) لمواجهة آثار كورونا. وقد جرى عندنا جمع المال من الأثرياء بصورة عشوائية وطوعية لصالح صندوق وطني للتبرعات. وفي حينه كتبت مقالا تحت عنوان « الضريبة على الثروة .. هل حان الوقت؟» وقلت بدلا من جمع التبرعات من الأثرياء بالزجر والمناشدات وبالتخجيل أو حتى التشهير.. لنفعل ذلك بطريقة مؤسسية لائقة ومحترمة وقانونية تشمل الجميع أي بإنشاء الضريبة على الثروة. 

نعرف أن هذه الضريبة مسألة إشكالية ومعقدة لكنها ليست بدعة. فقد كانت موجودة بصورة او اخرى وتراجعت مع تراجع الضرائب عموما أمام الموجة الليبرالية اليمينية وتآكل السياسات الاجتماعية منذ الثمانينات. واليوم تطبق 5 دول في اوروبا هي النرويج واسبانيا وسويسرا وفرنسا وايطاليا الضريبة على الثروة لكن ليس بنفس الطريقة والشمول وبعضها تفرضها على الأصول العقارية فقط مثل فرنسا حيث تسمى ضريبة التضامن وتراوح حول 1,5 % وتستوفى ممن تزيد ملكيتهم عن 800 الف يورو وتجمع حوالي 4 مليارات يورو في العام. وعندنا يوجد ضريبة على العقار هي المسقفات لكنها ضريبة بلدية وقلما تستوفى بنسبها الحقيقية. ثم لدينا الرسوم على بيع وشراء الأراضي وهذا شيء مختلف بل انها أسوأ صيغة للرسوم فهي ليست عادلة وتحبط تجارة الاراضي وترشح فسادا والأصح تحويل هذه الضريبة الى صيغتين الأولى هي الضريبة على الثروة (مع استثناء الأملاك المستخدمة مباشرة للسكن او الانتاج) والثانية رسوم سنوية ثابتة تستوفى عند بيع الأرض ولهذا الاقتراح تفاصيل وحيثيات تناولناها ذات مرة.

مختلف الدراسات والاحصاءات تقول ان العقود الأخيرة شهدت بصورة متصاعدة اتساع الفجوات الاجتماعية وتمركز الثروة في كل مكان تقريبا، وتجد ان أغنى 1 % من السكان  تزيد ثروتها عن النصف الأخير من السكان وفي الهند فإن واحدا بالألف فقط في قمة الهرم تعادل ثروتهم اكثر من نصف السكان في ادنى الهرم.  وفي الأردن وحسب أوكسفام عندنا 920 مليونيرا يملكون 20 مليارا. مبرووك ولا بأس ان يكون عندنا المزيد والمزيد من المليونيرية .. لكن بشرط بسيط هو ان يدفعوا حصّة أفضل من ثروتهم لبقية المجتمع حتى يدوم السلم الأهلي والرضى والتنمية، وبهذه المشاركة الأكثر سخاء يمكن لهم ان ان يطلبوا بعين قوية من الدولة ان لا تضايقهم بالقيود والتعقيدات البيروقراطية بل التيسير والتسهيل والدعم للاعمال وللاستثمارات. 

عام 2014 أصدر الاقتصادي والأكاديمي الفرنسي توماس بيكيتي كتابه « الرأسمال في القرن الحادي والعشرين» وتوقع ان يقود التمركز المتصاعد للثروة الى اضطرابات اجتماعية وتهديد الديمقراطية واقترح الضريبة على الثروة كأداة لتصحيح الوضع. وقد شهدنا في الأثناء صعود ترامب في امريكا واليمين الشعبوي في اوروبا وبعض دول اخرى مثل البرازيل التي تعاني اليوم من آثار شديدة السوء لجائحة كورونا ومن العنف والكوارث الاجتماعية والبيئية. ومن المفارقات ان بعض اكبر الشركات وفي مقدمتها امازون ضاعفت ثروتها في الجائحة. ويكتب الكثير من المفكرين الاقتصاديين اليوم عن العودة اللازمة للسياسات الاجتماعية التصويبية ومن بينها الضريبة على الثروة.